لا اختلافَ في القرآن (1): علاماتُ اقترابِ الساعة لا تتعارضُ مع مباغتَتِها


تحدَّى اللهُ تعالى المشكِّكين في كونِ القرآنِ مُنزَلاً من عنده أن يجدوا تعارضاً بين نصوصِه واختلافاً بين آياتِه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء). فانتفاءُ وجودِ أي اختلافٍ في القرآن بين آياتِه هو الدليلُ على إلهيتِه. فآياتُ القرآنِ لا يُثبتُ بعضُها ما ينفيه بعضُها الآخر. ولذلك فإنَّ خيرَ سبيلٍ لمحاورةِ المشككين يكمنُ في تحدِّيهم بأن يأتوا بما يُثبتُ أنَّ في القرآنِ اختلافاً كثيراً بين آياتِه. ولنأخذ في هذه المقالة مثالاً عل انتفاءِ وجودِ تعارضٍ بين آياتِ القرآن. فاللهُ تعالى أنبأنا في مواطنَ قرآنيةٍ كثيرة أنَّ الساعةَ ستباغتُ الناسَ فتأتيَهم على حين غفلةٍ منهم:
1- (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (من 18 محمد).
2- (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) (من 31 الأنعام).
3- (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) (من 187 الأعراف).
4- (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) (107 يوسف).
5- (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) (40 الأنبياء).
6- (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) (55 الحج).
7- (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (66 الزخرف).
ولكن هل تتعارضُ هذه الآياتِ وتلك التي كشف اللهُ تعالى لنا فيها أنَّ للساعةِ أشراطاً وعلاماتٍ؟ وكيف يستقيمُ أن تأتيَ الساعةُ الناسَ بغتةً فتبهتَهم مع القولِ بأنَّ للساعةِ علاماتٍ تدلُّ على اقترابِها؟:
1- (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَر) (1 القمر).
2- (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) (10 الدخان).
3- (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُون) (82 النمل).
4- (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) (96- 97 الأنبياء).
يتكفَّلُ بالإجابةِ على السؤالَين أعلاه أن نستذكرَ المعنى الذي تشتملُ عليه الكلمةُ القرآنيةُ “أشراط”، والتي وردت في الآيةِ الكريمة (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (من 18 محمد)؛ فمعنى هذه الكلمة يفيدُ التحقُّقَ المشروط، وبالمعنى الذي تنطوي عليه هذه المشارطةُ من أنَّ حدوثَ شيءٍ ما مشروطٌ بحدوثِ شيءٍ آخر، فإذا تحقَّق ما وعدَ به الرحمنُ من “انشقاقٍ للقمر”، وظهورِ الدخانِ في السماء من دونِ سبب، وإذا خرج من الأرضِ حيوانٌ يكلمُ الناسَ، وإذا ما سادَ الهرجُ والمرج بظهورِ يأجوج ومأجوج من كلِّ حدبٍ وصوب، فإنَّ حدوثَ الساعة أمرٌ لا ينبغي أن يطالَه الشك.
فالأمرُ إذاً لا علاقةَ له بتحديدِ زمانِ قدومِ الساعة بتحقُّقِ حدوثِ علاماتِ اقترابِها. فيكفي الساعةَ دليلاً وبرهاناً على أنها آتيةٌ لا ريب فيها أن تحدثَ هذه الوقائعُ العجائبية، التي لا قدرةَ لمعارفِنا على التعليلِ لحدوثِها المعجزِ هذا، فإنَّ الساعةَ لابد وأن تحدث، ومن دون أن يتضمنَ تحقُّقِ علاماتِ اقترابِها أيَّ تحديدٍ لزمانِ مجيئِها.
فلا اختلافَ إذاً في النصوصِ القرآنية التي كشفَ اللهُ تعالى لنا بها النقابَ عن علاماتِ اقترابِ الساعة، وبين آياتِه التي فصَّلَ لنا فيها أنَّ الساعةَ لا يعلمُ أوانَ حدوثِها أيُّ مخلوقٍ على الإطلاق. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (من 187 الأعراف).

أضف تعليق