إعادةُ الاعتبار لعالَمِ الحيوانِ والنبات… دعوةٌ لتصحيحِ بوصلةِ العِلم

على مدى أكثر من قرن ونصف، فرضت النظرية الداروينية وما تفرع عنها من مدارس سلوكية وبيئية تصورًا مُبسَّطًا، بل ومؤدلجًا، لعالم الطبيعة. في هذا التصور، يُختزل المشهد الكوني للكائنات الحية في مسرح دائم للصراع على الموارد، حيث يسود قانون واحد: “البقاء للأصلح”، بما تحمله الكلمة من إيحاء بالاقتتال والمنافسة القاسية. وقد عمّقت هذه الرؤية في أذهان كثير من العلماء والباحثين قناعة أن العلاقات بين الكائنات الحية – سواء كانت بين حيوان وحيوان، أو بين حيوان ونبات، أو بين نبات ونبات – لا يمكن فهمها إلا من خلال عدسة الصراع.
غير أن التقدم البحثي في علم الإيكولوجيا والسلوك الحيوي خلال العقود الأخيرة بدأ يكشف عن صورة أكثر تعقيدًا، وأغنى من أن تُختزل في “حرب الجميع ضد الجميع” التي تخيّلها الفكر الدارويني الكلاسيكي. فقد أظهرت الدراسات الحديثة أن الطبيعة الحقيقية تقوم على شبكة معقدة من العلاقات التكافلية، تتداخل فيها أنماط متعددة من التعاون، والمنافع المتبادلة، والتوازنات الدقيقة، في نظام يحقق بقاء الكل عبر تفاعلات متناغمة لا تقل أهمية عن الصراع نفسه.

شواهد من عالم الحيوان

التنظيف المتبادل في الشعاب المرجانية: حيث تقوم أسماك صغيرة مثل Labroides dimidiatus بتنظيف الأسماك الكبيرة من الطفيليات، في علاقة يستفيد منها الطرفان.
تعاون الطيور والثدييات في الصيد: رُصدت ظواهر مثل تعاون طيور Honeyguide مع البشر أو مع حيوانات أخرى، حيث تقودهم إلى أماكن خلايا النحل مقابل الحصول على نصيب من الشمع أو اليرقات.
تحالفات الأفيال: تظهر دراسات حديثة أن الأفيال تبني شبكات دعم اجتماعي طويلة المدى، تساعدها في مواجهة الأزمات البيئية مثل الجفاف، من خلال مشاركة موارد المياه والمعلومات حول مواقع الغذاء.

شواهد من عالم النبات

شبكات المايكورايزا (Mycorrhizal Networks): وهي شبكات فطرية تحت الأرض تربط جذور النباتات ببعضها، مما يسمح بتبادل المغذيات والماء وحتى الإشارات الكيميائية التي تنبه النباتات المجاورة إلى وجود آفات أو أمراض.
الدفاع المشترك بين النباتات: أظهرت الأبحاث أن بعض النباتات، مثل أشجار الأكاسيا، تبعث إشارات كيميائية في الهواء لتحذير أشجار مجاورة من هجوم الحشرات، مما يحفز إنتاج مركبات دفاعية قبل وصول الخطر.
هذه الظواهر، وغيرها كثير، تكشف أن الطبيعة ليست فقط ميدان صراع، بل هي أيضًا منظومة من “التعاون الاستراتيجي” الذي يحافظ على توازن البيئات ويضمن استمرارية التنوع الحيوي.

نقد الإدماج المفرط للإنسان في شبكة الطبيعة

قد يسعى البعض – كما فعل مؤلف كتاب The Call of the Honey Guide – إلى إدماج الإنسان في هذه الشبكة باعتباره كائنًا طبيعيًا كامل الاندماج، لا يختلف عن النبات والحيوان في دوره البيئي. لكن هذه المقاربة، رغم نواياها الحسنة، تتجاهل حقيقة أن الإنسان المعاصر يقوّض بتصرفاته أسس هذا التوازن. فما بناه من علاقات منفعة متبادلة مع بعض النباتات والحيوانات على مدى آلاف السنين، يهدمه اليوم بتلويث البيئة، وإحداث تغيرات مناخية، وتهديد استقرار النظم الإيكولوجية.

دعوة لإعادة الاعتبار

إعادة الاعتبار لعالم الحيوان والنبات لا تعني السقوط في رومانسية بيئية مثالية، بل تتطلب إعادة صياغة المنهج العلمي الذي نتعامل من خلاله مع الطبيعة، بحيث يشمل دراسة أنماط التعاون والتكافل بنفس الجدية التي أوليت للصراع والتنافس. إنها دعوة إلى توسيع الأفق العلمي، وفهم أن قانون الطبيعة لا يُختزل في “البقاء للأقوى”، بل يشمل كذلك “البقاء للأكثر انسجامًا”.
فالطبيعة، في حقيقتها، ليست غابة من الفوضى، بل نسيج من العلاقات المتشابكة التي تحفظ للحياة استمرارها، وأن إعادة الاعتبار لها هي في جوهرها إعادة الاعتبار لأنفسنا كجزء واعٍ ومسؤول من هذا الكل الأعظم.

أضف تعليق