المقارنةُ بين مدارسِ الاستشراق… بين الموضوعيةِ والانحياز

لطالما كان الاستشراق مجالًا علميًا مثيرًا للجدل، فهو يتقاطع مع التاريخ واللغة والأديان والثقافة، ويؤثر بشكل مباشر على كيفية فهم الشعوب لبعضها البعض. ولعل أبرز التحديات التي تواجه هذا الحقل المعرفي هو مدى التزام الباحث بالموضوعية والحياد، وهي قضية تزداد أهمية مع مرور الوقت. وعندما نتفحص مدارس الاستشراق الكبرى، نجد أن هناك تباينًا واضحًا في المنهج والتوجه، خاصةً عند مقارنة الاستشراق الفرنسي والإنجليزي بالاستشراق الروسي والألماني.

الاستشراق الفرنسي والإنجليزي… خدمة المشروع الاستعماري

لقد كان الاستشراق في فرنسا وبريطانيا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسياسة الاستعمارية. لم يكن غاية في حد ذاته، بل كان وسيلة فعّالة لتبرير الهيمنة الاستعمارية وإضفاء الشرعية عليها. فكثير من المستشرقين الفرنسيين والإنجليز، وإن كانوا قد قدموا أعمالًا بحثية ضخمة، إلا أن تلك الأعمال كانت في جوهرها انعكاسًا لـ حسهم القومي أو تعصبهم العرقي والديني.
يمكن ملاحظة هذا الانحياز في عدة مظاهر:

  • تصوير الشعوب المستعمَرة: غالبًا ما كانت هذه الأعمال تصوّر الشعوب الشرقية على أنها متخلفة، غير قادرة على حكم نفسها، وغارقة في الجهل والخرافات.
  • تبرير الاستعمار: تم تقديم الاستعمار على أنه مهمة “حضارية” تهدف إلى إنقاذ هذه الشعوب من ظلامها ونقلها إلى نور “الحضارة الغربية الحديثة”.
  • إنتاج المعرفة المتحيزة: كانت الأبحاث في اللغات والآداب والأديان الشرقية غالبًا ما تُفسّر بطريقة تخدم الأجندات الاستعمارية وتؤكد على تفوق الغرب.
    لقد كانت النتيجة أن أصبحت هذه الأعمال الكلاسيكية مشبعة بـ العبارات العنصرية والانحيازات المعرفية، مما جعلها أدوات أيديولوجية أكثر من كونها أعمالًا بحثية موضوعية.

الاستشراق الروسي والألماني: اقتراب من الموضوعية

في المقابل، قدمت مدرستي الاستشراق الروسية والألمانية نموذجًا مختلفًا. في ظل غياب الدافع الاستعماري المباشر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تحرر المستشرقون الروس والألمان من الضغوط السياسية التي أثرت على نظرائهم الفرنسيين والإنجليز.
كانت أعمالهم تتميز بالخصائص التالية:

  • التركيز على البحث العلمي الأصيل: كان هدفهم الأساسي هو فهم الثقافات الشرقية بعمق، لا تبرير هيمنة سياسية. اهتموا باللغات والتاريخ والدراسات الأكاديمية الصرفة دون تلوينها بأجندات قومية.
  • احترام الثقافات الأخرى: اتسمت أعمالهم بـ التعالي على الانحيازات الشخصية أو العرقية، مما جعلها أقرب إلى روح البحث العلمي المتعالي على كل انحياز لغير الحقيقة والحق.
  • المساهمات الأكاديمية الكبرى: قدموا إسهامات مهمة في فقه اللغة، والدراسات القرآنية، وتاريخ الحضارات الشرقية، وقد ظلت أعمالهم مرجعًا أساسيًا حتى اليوم بسبب رصانتها الأكاديمية.

دعوة لإعادة قراءة الماضي وصياغة المستقبل

إن هذا التباين المنهجي بين المدارس الاستشراقية المختلفة يدفعنا اليوم إلى ضرورة إعادة قراءة الأعمال الكلاسيكية التي صدرت عن المدرستين الإنجليزية والفرنسية. يجب أن تُقرأ هذه الأعمال بعين ناقدة، وأن يُفصل فيها بين المادة العلمية التي قدمتها وبين التفسيرات المتحيزة التي صاحبتها.
ولكي نضمن مستقبلًا أكثر موضوعية للبحث العلمي، لا بد من صياغة مانيفستو يوضح لعلماء الاستشراق المعاصرين ما يتوجب عليهم الالتزام به. يجب أن يكون هذا الميثاق بمثابة وثيقة أخلاقية تضع الحقيقة فوق أي انتماء لدين أو عرق أو ثقافة. إن الانحيازات المعرفية متوفرة على الدوام، وعصرنا الحالي خير دليل على ذلك، حيث نشهد ازدواجية في المعايير يتم الإعلان عنها دون خجل. لذلك، يجب على الباحث أن يتحلى بالنزاهة والشجاعة لكي يواجه هذه الانحيازات، حتى لا يحاسبه التاريخ على أعماله.

أضف تعليق