
ليس من العدل ولا من الدقة العلمية أن نصوّر جميع المستشرقين الفرنسيين على أنهم تحركوا في مشاريعهم بدوافع واحدة، أو أن نختزلهم في صورة النمط الاستشراقي الاستعلائي ذي النزعة العرقية–الدينية التي وسمت أعمال كثيرين منهم. فبعض هؤلاء المستشرقين لم ينطلقوا من احتقار الشرق أو التعالي عليه، بل من دوافع ذاتية وأجندات شخصية، قد تتقاطع أحيانًا مع افتتان حقيقي ببعض وجوه ثقافته وحضارته.
لكن هذه الأجندات الشخصية، مهما كانت منطلقة من الإعجاب، لم تكن أقل خطورة من النزعات الاستعلائية الصريحة؛ إذ إنها، في الغالب، استبدلت أحكام الازدراء بإسقاطات ذاتية حوّلت الشرق إلى مرآة تُرى فيها الذات الغربية على هواها، لا كما هو في واقعه.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك حالة لوي ماسينيون، المستشرق الفرنسي الذي ارتبط اسمه على نحو شبه حصري بسيرة الحسين بن منصور الحلاج. لقد كان افتتان ماسينيون بالحلاج شديدًا، إلى درجة أن رائعته عن الحلاج بدت وكأنها عمل شخصي يترجم تجربة روحية خاصة أكثر مما تمثل دراسة تاريخية محايدة.
قرأ ماسينيون الحلاج من داخل منظومة ثقافية–دينية كاثوليكية، مشوبة برومانسية روحية جعلته أقرب إلى المتصوفة المسيحيين منه إلى الأكاديميين المحايدين. صحيح أن عمله تميز بمنهجية بحثية قوية ولغة فرنسية متينة نادرة المثال، لكن قوة الصياغة لم تمنع تسلل الهوى الشخصي إلى متن البحث.
فقد كان ماسينيون مأخوذًا بسردية العهد الجديد للسيد المسيح، وبأبعادها الفدائية والرمزية، وهو افتتان ألقى بظلاله الثقيلة على قراءته للحلاج. بل إنه ذهب إلى الزعم بأن الحلاج كان يبطن دينًا آخر غير الإسلام، وأنه تأثر بالمسيح إلى حد التطابق الروحي. ولإثبات ذلك، مارس عملية انتقاء من نصوص الحلاج، وأعاد تأويلها بما يخدم هذا التصور المسبق، متجاهلًا ما قد يناقضه أو يحد منه.
هنا تبرز الإشكالية الكبرى: ماسينيون، رغم أنه لم يتعامل مع الشرق بعقلية الفاتح أو الحاكم، وقع في مأزق موازٍ، إذ جعل الحلاج يتحدث بلسان السردية المسيحية التي أراد أن يراها فيه. لقد كان الحلاج بالنسبة له أقل من كونه شخصية تاريخية لها سياقها الإسلامي الخاص، وأكثر من كونه رمزًا يُستدعى لتأكيد فكرة روحية غربية في ثوب شرقي.
إن تجربة ماسينيون تكشف أن الاستشراق الفرنسي، حتى في أرقى تجلياته وأكثرها افتتانًا بالشرق، لم ينجُ من فخ القراءة الذاتية؛ فالشرق لم يُترك ليتحدث عن نفسه، بل جُعل – عن قصد أو عن غير قصد – وسيلة لإعادة إنتاج رؤية المستشرق لذاته وثقافته، ولو في صورة إعجاب صوفي مبهور.
الاستشراق الحميمي وفخ الأنا
تضعنا تجربة لوي ماسينيون أمام ما يمكن تسميته بـ “الاستشراق الحميمي”، وهو ذلك النمط من التفاعل مع الشرق الذي لا يتغذى على خطاب الهيمنة السياسية أو التفوق العرقي الصريح، بل على شعور بالافتتان والانجذاب الروحي أو الجمالي. في هذا النوع من الاستشراق، لا يكون “الآخر” الشرقي موضوعًا للسيطرة المباشرة بقدر ما يكون مادة لإعادة تشكيل الذات الغربية أو استكمالها روحياً.
لكن المفارقة أن هذا القرب الظاهري لا يلغي المسافة الفاصلة، بل يعيد إنتاجها في شكل آخر: الشرق هنا ليس ذاتًا حية لها سياقها ومعناها، بل سطح إسقاط تُعرض عليه رموز وقيم مستمدة من خلفية المستشرق نفسه. وهكذا يتحول الإعجاب إلى نوع من التملك الرمزي، حيث يتم إدماج الآخر في السردية الذاتية للمستشرق، لا العكس.
في حالة ماسينيون، كان الحلاج هو المرآة التي انعكست عليها صورة المسيح في وعيه؛ فبدل أن ينطلق من النصوص والسياق التاريخي ليقرأ الحلاج كما هو، أعاد إنتاجه بما يحقق توازيًا مع النموذج المسيحي الذي حمله في ذهنه. وهذا النمط من القراءة، رغم اختلافه عن الاستشراق الكلاسيكي ذي الطابع الاستعلائي، يظل أسيرًا لبنية فكرية غربية ترى الآخر من خلال ذاتها، لا من خلال ما يقدمه هو عن نفسه.
إن هذا يفتح الباب أمام تساؤل أكبر: هل يمكن للمستشرق – أو لأي باحث غربي – أن يقرأ الشرق قراءة متحررة تمامًا من مرجعياته الثقافية والدينية؟ أم أن كل مقاربة، حتى الأكثر تعاطفًا، تحمل في طياتها قدرًا من إعادة إنتاج الأنا، وإن في ثوب حميمي جذاب؟
