
كم مِن أهلِ الغربِ يعلَم أنَّ الحربَ العالميةَ الثانية لم تبدأ يومَ غزت القواتُ الألمانية الأراضيَ البولندية في الثالثِ من سبتمبر عام 1939، ولكنها بدأت قبل ذلك بعامَين، وذلك حين شنَّت القواتُ اليابانية هجوماً على الصين في السابعِ من يوليو عام 1937؟
إنَّ الإجابةَ على هذا السؤال تذهبُ بمضامينِها بعيداً وبما يتجاوزُ الجهلَ بالتاريخ. فالأمرُ يتعلقُ بالصين وبكلِّ ما تضطرُّ العقلَ الأوروبي لأن يستدعيَه مما هو ليس بذي صِلةٍ بما هي عليه حقاً وحقيقة، طالما كان ذلك يتعارضُ مع صورتِها في المخيالِ الغربي كموطنٍ للأساطير ورمزٍ يتمثَّلُه أهلُ الغرب بأبعادٍ تكادُ أن تجعلَهم لا يحسبونها بلداً له تاريخٌ وحضارةٌ يسكنُه شعبٌ له أحلامٌ وآمال كما لهم.
ويزدادُ الأمرُ سوءاً كلما توغلنا عميقاً في تتبُّعِنا لهذه العلاقةِ غيرِ المنصفة التي تجعلُ أهلَ الغرب يرون التاريخَ الصيني مما لا ينبغي أن ينشغلوا بتعلُّمِه، ولو بالاطلاعِ على شيءٍ يسيرٍ منه، كما يفعلون حين يتعلقُ الأمرُ بغيرِ الشعبِ الصيني. فهل يُدركُ أهلُ الغرب أنَّ الصينَ قد دفعت ثمناً باهضاً، في الحربِ التي فرضتها عليها اليابان، من دماءِ أبنائها بما يتجاوزُ الـ 15 مليون نسمة؟! وهل يدركُ أهلُ الغرب أن لولا إشغال الصين لثلثَي الجيشِ الياباني في تلك الحرب لما كان بوسعِ أمريكا أن تغزوَ اليابان، ولَما كان للجيشِ الروسي أن يهزمَ الجيشَ الياباني في الصين ويتوغلَ داخلَ الأراضي اليابانية؟
إنَّ هذا الاستعراضَ الوجيز لجهلِ أهلِ الغرب بالتاريخِ الصيني لابد منه، وذلك حتى يكونَ بوسعِنا أن نفهمَ ما يحدثُ اليوم من صراعاتٍ اقتصادية بين أوروبا والصين. فلو أنَّ الغربَ تعاملَ مع الصين بِنديَّةٍ، وليس بعقليةٍ استعلائية، أما كان الاقتصادُ الغربي ليصبحَ أفضلَ بكثير مما هو عليه الآن؟ إنَّ إصرارَ الغرب على التمسكِ بعقليةِ المستعمِر، التي يرفدُها شعورُه بالتعالي العِرقي والحضاري والثقافي على الصينِ وغيرِها من شعوبِ العالَم التي ابتُليت بملامحَ غير أوروبية، لن ينجمَ عنه إلا مزيدٌ من الفوضى الاقتصادية التي ستزدادُ تعمقاً واستفحالاً حتى يجيءَ اليومُ الذي تجدُ فيه أوروبا نفسَها وحيدةً في عالَمٍ تسودُه أنظمةٌ اقتصاديةٌ لن تستطيعَ معها أن تبقى موحدةً بنظامٍ اقتصادي قد عفا عليه الزمن، إلا من بعد أن تتنازلَ عن كبريائها وتُقِرَّ بأنَّ ما من أمةٍ هي أفضلُ من غيرِها من الأمم، وأنَّ التفاضلَ الحقيقي بين البشر هو بمقدارِ ما يقومُ به الواحدُ منهم من أعمالٍ يغلبُ عليها الإحسانُ الذي ما من سبيلٍ إليه إلا بأن نتنازلَ عن كبريائِنا وغرورِنا واستعلائنا.
