آلاسكا 15 أغسطس 2025… دلالاتُ اختيارِ المكانِ والزمان

وأخيراً اتفق الرجلان على أن يلتقيا من بعد أن ظنا كلَّ الظنِّ ألا تلاقيا! وتمَّ اختيارُ آلاسكا الولاية الأمريكية التاسعة والأربعون لتكونَ مكانَ هذا اللقاء، كما وتمَّ تحديدُ يوم الخامس عشر من هذا الشهر (أغسطس 2025) ليكون زمانَه. وقبل أن أتطرقَ إلى تداعياتِ هذا الاختيار، لابد من أن نستذكرَ أنَّ لقاء الرجلَين كان محدداً له أن يتم بعد أيامٍ أو أسابيع قلائل من عودةِ الرئيس ترمب إلى البيتِ الأبيض مرةً أخرى. وتأخرُ هذا اللقاء مردُّه ما كان يُحاكُ وراء الكواليس من مخططاتٍ بذل أصحابُها جهوداً حثيثة ليحولوا بها دون ذلك. فلا أوكرانيا، ولا الاتحادُ الأوروبي، من مصلحته أن يلتقيَ الرجلان فيتحققَ لبوتين ما أراد من لقاءٍ بمَن يعلمُ أنَّه وحدَه مَن بمقدورِه أن يُرغمَ الطرفَ الآخر على القبولِ بما تراه روسيا ركيزةً رئيسةً من ركائزِ أمنِها القومي. ولكن رياحَ القدَر جاءت بما لا تشتهي سَفَنُ الذين يريدون أن يفعلوا بالاتحادِ الروسي ما سبقَ لهم وأن فعلوه بالاتحادِ السوفيتي.
والآن، ما هي التداعياتُ التي يستثيرُها مكانُ وزمانُ هذا اللقاءِ المرتقَب بين الرجلين؟
لابد وأن يكونَ من قام باختيارِ آلاسكا مكاناً لانعقادِ هذه القمة على قدرٍ واسعٍ من الفطنةِ الاستراتيجية المستندةِ إلى إلمامٍ لا بأس به بتاريخِ آلاسكا التي لم تُكتشَف إلا أواخرَ القرنِ الثامنِ عشر من قِبَل بعثةٍ جغرافيةٍ روسية. وبذلك أصبحت هذه الأرضُ الواسعةُ بجبالِها ووديانِها وغاباتِها وبحيراتِها، وبكلِّ ما يكمنُ في باطنِ أرضِها، مُلكاً للقيصرِ الروسي، والذي لم يحافظ عليها إذ قام ببيعِها لأمريكا نظيرَ سبعة ملايين و200 ألف دولار. وآلاسكا هذه كان لها دورٌ محوري في هزيمةِ ألمانيا النازية. فالاتحادُ السوفيتي ما كان له أن ينهضَ من كبوتِه، ويتداركَ أمرَه من بعد تلك “الحربِ الخاطفة” التي غزت القواتُ الألمانية بمقتضاها أرضَه في عمليةِ “بارباروسا” صيفَ عام 1941، لولا الجسر الجوي الذي زوَّدت بواسطتِه الولاياتُ المتحدة الجيشَ السوفيتي بما مكَّنَه، خاتمةَ المطاف، من دخولِ برلين في أبريل 1945. وهنا لابد من الإشارةِ إلى أنَّ آلاسكا لم تصبح الولايةَ 49 من الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية إلا في عام 1959.
فاختيارُ آلاسكا إذاً مكاناً لانعقادِ قمةِ بوتين- ترمب كان مقصوداً ليُذكِّرَ بوتين بأنَّ آلاسكا التي كانت يوماً ما روسية هي الآن ولايةٌ أمريكية، وأنَّ الاتحادَ السوفيتي ما كان ليبقى على الخارطة لولا المساعدات التي زوَّدته أمريكا بها.
أما زمانُ هذا اللقاء المرتقَب بين بوتين وترمب، فلقد تم تحديدُه بدهاءٍ ومكرٍ شديدين؛ فالخامس عشر من أغسطس هذا العام يمثِّلُ الذكرى السنوية الثمانين لإعلانِ امبراطور اليابان استسلامَ بلادِه للولايات المتحدة الأمريكية دون قيدٍ أو شرط. وقديماً قالت العربُ “والحليمُ تكفيه الإشارة”.

أضف تعليق