
حين نتأمل تاريخ المعرفة البشرية، نجد أن المسار لم يكن يومًا خطًا متصلًا من الحياد والنزاهة كما تدّعي الكتب المدرسية أو بعض الخطابات الأكاديمية. لقد ارتبطت مناهج التفكير الفلسفي والعلمي بنزعة انتقائية ممنهجة، اتخذت من العقل المعياري حَكَمًا أعلى، يحدد ما يجوز إدخاله في دائرة البحث، وما يُستبعد منها.
هذا العقل المعياري هو نتاج تفاعل معقد بين الفلسفة اليونانية، التي أولت المنطق الأرسطي مكانة مركزية، وبين الفلسفة الحديثة التي أعادت صياغة معايير القبول العلمي عبر ما اصطلح عليه بـ”المنهج التجريبي” منذ بيكون وغاليليو وديكارت. وقد انتهت هذه النزعة إلى وضع قاعدة صارمة:
“ما لا يتسق مع الحس السليم (Common Sense) أو مع قوانين العلم، لا يستحق أن يُبحث أو يُدرَس”.
الأيديولوجيا المتلفعة بوشاح المنطق والعلم
منذ القرن السابع عشر، تحولت هذه المعايير إلى ما يشبه أيديولوجيا معرفية، خاصة مع صعود الوضعية الكلاسيكية عند أوجست كونت، التي رأت أن الحقائق العلمية وحدها – وفق نموذج الفيزياء النيوتنية – هي الجديرة بالاعتبار.
باسم “صرامة المنهج”، تم استبعاد الظواهر التي لا يمكن إخضاعها للتجربة المتكررة أو القياس الكمي. وكان هذا الاستبعاد أشبه بعملية فرز أيديولوجي قبل أن يكون إجراءً علميًا؛ إذ جرى حجب أي حدث أو ظاهرة تتحدى الإطار المرجعي القائم، حتى لو كانت موثقة.
النتيجة: العلوم بنت صورةً للعالم والإنسان على قاعدة ناقصة، لأن ما لا يتفق مع قواعدها المسبقة لم يُسمح له بدخول ميدان النقاش أصلًا.
أمثلة تاريخية على الإقصاء المعرفي
الظواهر الباراسيكولوجية: رغم الكم الهائل من الأبحاث التي أجريت في جامعة ديوك الأمريكية منذ الثلاثينيات على الإدراك الفائق والاستبصار، ظل المجتمع العلمي ينظر إليها بعين الشك، لا لضعف الأدلة أحيانًا، بل لأنها لا تنسجم مع الميكانيكا الكلاسيكية أو مع التصور السائد عن القدرات العصبية.
الكونيات غير المألوفة: قبل اكتشاف توسع الكون على يد هابل، كانت فرضية الكون الثابت هي العقيدة السائدة، وأي تصور مخالف كان يُقصى مباشرة، رغم وجود ملاحظات فلكية مبكرة أشارت إلى عكس ذلك.
القابليات الخارقة في الإنسان والحيوان: من قصص “الذاكرة الفوتوغرافية” إلى قدرة بعض الطيور على التنبؤ بالعواصف، جرى التقليل من شأن هذه الظواهر أو تجاهلها تمامًا إذا تعذّر تفسيرها بالآليات العصبية المعروفة.
الطب التقليدي والشعوب الأصلية: آلاف الممارسات الطبية العشبية التي أثبتت فعاليتها تجريبيًا حُذفت من السجلات الطبية الغربية لعدم انتمائها إلى الإطار العلمي المخبري الصارم.
البعد الإبستمولوجي المعاصر
النقاش الفلسفي الحديث قدّم أدوات نقدية لفهم هذه النزعة الانتقائية.
كارل بوبر (Karl Popper) شدد على أن معيار العلم ليس التحقق (Verification) بل القابلية للتكذيب (Falsifiability)، ومع ذلك، فإن كثيرًا من الظواهر المرفوضة لم يُمنح أصلًا حق الدخول إلى دائرة الاختبار لتقرير قابليتها للتكذيب، فتم استبعادها مسبقًا.
توماس كون (Thomas Kuhn) أوضح أن العلم يتحرك في إطار “البارادايم” السائد، وأن التحولات العلمية الكبرى لا تحدث إلا بكسر هذا الإطار. وفق هذا التصور، فإن استبعاد الظواهر غير المألوفة هو جزء من آلية حماية البارادايم السائد، وليس إجراءً موضوعيًا صرفًا.
بول فيرابند (Paul Feyerabend) ذهب أبعد من ذلك في كتابه Against Method، مؤكدًا أنه لا يوجد منهج علمي واحد صالح لكل الأزمنة، وأن التمسك الصارم بالمعايير الحالية قد يمنع الاكتشافات الثورية، داعيًا إلى “فوضوية منهجية” تتيح للمعرفة أن تتجاوز قيودها المصطنعة.
هذه المساهمات الفلسفية تفتح الباب أمام مراجعة نقدية شاملة، وتُظهر أن الانتقائية ليست مجرد انحراف تاريخي، بل هي سمة بنيوية في الممارسة العلمية والفلسفية كما تطورت.
نحو إعادة الاعتبار للمستبعَد
إن تجاوز هذه الإشكالية يستلزم إعادة بناء الفلسفة والعلم على أسس أكثر شمولًا، بحيث لا يكون المعيار هو انسجام الظاهرة مع ما نعرفه، بل هو قوة الدليل الذي يثبت وجودها أو حدوثها.
هذا لا يعني القبول بالادعاءات غير المثبتة، بل يعني إنهاء حالة الإقصاء المسبق، وفتح باب البحث أمام كل ما تدعمه الشواهد القاطعة، حتى لو كان خارج الأطر النظرية الحالية.
تساؤل مفتوح لمستقبل المعرفة
يبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه:
إذا ما وُضعت على طاولة البحث المنهجي الرصين كل الوقائع التي ثبتت بالدليل الموثق، حتى لو كانت غير منطقية وفق مقاييسنا أو لا تخضع لقوانيننا العلمية المعروفة، فهل ستظل الفلسفة، أو علم النفس، أو الفيزياء، أو البيولوجيا، كما هي اليوم؟
أم أننا سنشهد إعادة صياغة جذرية لمناهجها ونظرياتها، بما يفتح الباب أمام إدراك جديد للعالم، إدراك يقرّ بأن الواقع قد يحوي ما يتجاوز منطقنا ذاته، وما يعجز علمنا الراهن عن احتوائه؟
ربما كان الخطأ الأكبر في تاريخ المعرفة البشرية هو أن العقل، وهو يرفع راية البحث عن الحقيقة، كان يحدد مسبقًا شكل هذه الحقيقة وحدودها، فيصوغ الأسئلة على مقاس الأجوبة التي يقبل بها، ويقصي ما لا ينسجم مع صورته عن العالم.
لقد اعتدنا أن نرى الكون كما تسمح به معاييرنا، لا كما هو في ذاته. ولهذا، فكل ما لا يوافق منطقنا، نُسقطه من دفتر الوجود، كأنما نمتلك نحن – لا الكون – الكلمة الأخيرة في تقرير ما يمكن أن يكون.
لكن، ماذا لو كان العالم أوسع من أفق المنطق البشري وأعمق من معادلات العلم القائم؟
ماذا لو كانت هناك طبقات من الواقع لا تُدرك إلا حين نتخلى عن شرط أن تكون الظواهر “معقولة” أو “مطابقة للقانون”؟
إننا عندئذ سنكتشف أن العلم والفلسفة ليسا نهايات مُحكَمة للفكر، بل محطات على طريق لا نعرف له نهاية، وأن الاعتراف بما هو “غير مألوف” ليس تهديدًا للعقل، بل تحريرٌ له من سجنه الخاص.
قد يأتي يوم يُعاد فيه رسم الخريطة الكاملة للمعرفة، فلا يكون فيها “ممنوع الاقتراب” لأي ظاهرة موثقة، مهما بدت عصية على الفهم. وعندها فقط، سنكون قد اقتربنا خطوة حقيقية من الحقيقة، لا كما نتصورها، بل كما هي.
