سبأُ التي دمَّرَها اللهُ هي ليست سبأ التي أسلمت ملكتُها “مع سليمان للهِ ربِّ العالَمين”

وردَ في القرآنِ العظيم نبأُ قومٍ أهلكَهم اللهُ بذنوبِهم وجعلهم عبرةً لكلِّ مَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (15- 17 سورة سبأ).
ولكن سورةَ النمل تقصُّ علينا نبأَ قومٍ آخرين كانوا يحملون الإسمَ ذاته (سبأ): (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ. أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُون)20- 25 النمل).
فهل سبأ التي أهلكَها اللهُ تعالى هي ذاتُها سبأ التي أسلمت ملكتُها “مع سليمان للهِ ربِّ العالَمين”؟
لا يحتاجُ المرءُ وقتاً طويلاً ليتبيَّنَ أنَّ القومَ الذين أهلكهم اللهُ هم ليسوا القومَ الذين أشارَ إليهم هدهدُ سليمان بأن امرأةً كانت تملكُهم وأوتيت من كلِّ شيءٍ ولها عرشٌ عظيم. فالناسُ على دينِ ملوكِهم، وإن كانت ملكةُ سبأ قد أسلمت مع سليمانَ للهِ ربِ العالمين، فذلك هو عينُ ما فعله قومُها: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ. قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) (43- 44 النمل).
وهذه هي ليست المرةَ الأولى التي يردُ فيها في القرآنِ العظيم تشابهٌ في الأسماء. فاللهُ تعالى سبق وأن أهلكَ قومَ سيدِنا شعيب الذين سمَّاهم قرآنُه العظيم “مَدين”، والذين أبوا إلا أن يكذبوا سيدَنا شعيب فاستحقوا بذلك عذابَ اللهِ العظيم: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ. وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (93- 94 هود).
ومدين هذه هي ليست مدين التي توجَّه إليها سيدُنا موسى بعد اضطرارِه إلى الخروجِ من مصر: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (21- 22 القصص). فمَديَنُ هذه هي التي ذكَّرَ اللهُ تعالى سيدَنا موسى بعظيمِ فضلِه عليه إذ يسَّرَ له مكوثَه فيها من عُمُرِه سنين: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى( (من 40 طه).

أضف تعليق