الإرهاب كهجرٍ للقرآن… تفكيك البنية الفكرية للتطرف

عندما يذكر القرآن شكوى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من قومه:
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]،
فإن المعنى لا يتوقف عند ترك التلاوة أو الإعراض الفكري، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل القرآن من منهج حيّ للحياة إلى نصّ مؤدلج يخدم غايات الصراع. هنا يبدأ التحريف الأخطر: حين يتحول النص إلى شعار، والشعار إلى أداة لتبرير العنف.

آلية الانزلاق من النص إلى الرصاصة

الهدي القرآني واضح في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، كما في قوله تعالى:
{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: من 125].
لكن المتطرف حين يواجه الواقع المعقد، ويعجز عن الصبر على جدلية الحق والباطل، يلجأ إلى التبسيط المخل: تقسيم العالم إلى فسطاطين (مؤمن وكافر)، وتجريد “الآخر” من إنسانيته. في هذه اللحظة، يكون قد هجر جوهر القرآن وإن رفعه شعارًا.

العجز الأخلاقي كمحرك للتطرف

القيم القرآنية العليا—ككظم الغيظ، والعفو، والإحسان—تتطلب قدرًا من النضج النفسي والسمو الأخلاقي لا يتوفر في الشخصية المتعجلة إلى الحسم بالعنف. يقول تعالى:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: من 134].
حين يعجز المتشدد عن بلوغ هذه المقامات، يبحث عن بديل يمنحه شعورًا بالقوة السريعة، فيجد ضالته في العنف، تمامًا كما فعل ابن آدم حين عجز عن قبول حكم الله فقتل أخاه:
{قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: من 27].

الاستنساخ التاريخي للجريمة الأولى

منذ تلك اللحظة الأولى في تاريخ البشرية، تكررت البنية ذاتها: عجز عن الاحتكام لقيم الحق، وانسياق وراء انفعال الغضب والحسد. ومع الزمن، صارت هذه البنية جماعية، فانتقلت من جريمة فردية إلى إرهاب منظم، يرفع راية الدين وهو في الحقيقة يرفع لواء النفس والهوى.

التبرير الأيديولوجي لهجر القرآن

المفارقة أن المتطرف لا يرى نفسه قد هجر القرآن، بل يتوهم أنه ينفذ أوامره ويهتدي بهديه. وهنا تكمن خطورة “الهجر المؤدلج”: فهو هجر مقنَّع، حيث يتم تجاهل الأوامر القرآنية الصريحة بالرحمة والحوار، والانتقاء من النصوص القرآنية ما بالإمكان تأويله وبالكيفية التي تخدم مشروع العنف.

المصير والتحذير

يحذر القرآن من مآل هذه الفئة، فيضعهم في خانة النفاق العملي:
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: من 145]،
مع إبقاء باب العودة مفتوحًا:
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} [النساء: من 146].

الإرهاب هو ليس مجرد انحراف عن التعاليم القرآنية، بل هو تفريغ النص القرآني من روحه، واستبدال العقل الجدلي الذي يواجه الحجة بالحجة بعقل غريزي يردّ الحجة بالرصاصة. إنه في جوهره إعلان فشل المتطرف عن حمل أمانة الاستخلاف، وتحويل الإنسان المتدين من داعٍ الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة الى مُفسدٍ في الأرض. والتوبة هنا ليست توبة سلوك فقط، بل توبة فكرية تعيد النص القرآني إلى وظيفته الأولى: هداية الناس وليس قتلهم.

أضف تعليق