بين الملاحظة العلمية والسردية القرآنية… نحو سيناريو تطوري بديل يفسر تناشز الإنسان مع الطبيعة

تُظهر الملاحظة المنهجية للفروقات الجوهرية بين الإنسان والحيوان أن ثمة خللاً بنيوياً يميّز الإنسان عن بقية الكائنات الحية، خللاً لم تتمكّن المدارس البايولوجية التطورية – على تنوعها – من تقديم تفسير مُرضٍ له. فمن حيث العدوانية، يتفرد الإنسان بقدرة مفرطة وغير متكافئة مع حاجاته البيئية، وهي قدرة تنقلب في كثير من الأحيان ضد أبناء جنسه على نحو مدمر. أما من حيث الفعالية الجنسية، فالنشاط الجنسي البشري يكاد ينفلت من القيود الإيكولوجية التي تحكم سلوك التكاثر في الحيوان، فيتجاوز الضرورات البيولوجية إلى أنماط سلوكية لا تجد تفسيراً مقنعاً في إطار الانتقاء الطبيعي أو الجنسي. يضاف إلى ذلك تدني كفاءة النظام المناعي مقارنة بما يُتوقع من كائن متطور، وتخلخل العلاقة السايكولوجية بين الإنسان والطبيعة، وانفصام الصلة “العورى” – أي المتبادلة – التي تربط عادة الكائن ببيئته. كل ذلك يترافق مع اضطراب داخلي في البنية النفسية للإنسان، وكأن هذا الكائن تطور خارج النسق المعتاد لقوانين الطبيعة.
هذه المفارقات تضع الباحث أمام معضلة: إذا كان الإنسان نتاج مسار تطوري طويل تحكمه قوانين الطبيعة ذاتها التي تحكم بقية الكائنات، فكيف انتهى به المطاف إلى أن يصبح – في سلوكه وبنيته – خارج هذه القوانين؟ هنا تبرز الحاجة إلى سيناريو تطوري بديل، سيناريو لا ينفي مسار التطور لكنه يضيف إليه لحظة فاصلة أو “قفزة” نوعية غير مفسّرة بيولوجياً، لحظة غيّرت ملامح الإنسان جذرياً.
في هذا السياق، تقدم السردية القرآنية مفتاحاً تفسيرياً بالغ الأهمية. فالقصة القرآنية عن أكل آدم وزوجه من الشجرة لا تقتصر على كونها رواية ميتافيزيقية، بل يمكن قراءتها كتمثيل رمزي لحادثة بيولوجية-سايكولوجية قلبت موازين العلاقة بين الإنسان والطبيعة. لحظة الأكل تلك – وفق النص – ترتب عليها فوراً “تساقط الغطاء الشعري” الذي كان يغطي جسميهما، وهي إشارة إلى تغير جسدي مباشر مسّ آلية الحماية الطبيعية للجسد. بالتوازي، يشير النص إلى تضرر لحظي لمنظومة العدوان البشري، إذ خرجت عن الضبط الطبيعي لتصبح عدوانية موجهة من البشر ضد بعضهم البعض، كما جاء في قوله تعالى:
{وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36].
هذا الربط بين التحول الجسدي والنفسي – كما تطرحه السردية القرآنية – وبين الانفصال عن النظام الطبيعي، يمنحنا إطاراً لتصور “قفزة” في تاريخ الإنسان لم يكن مصدرها آليات الانتقاء الطبيعي وحدها. فالتحولات المذكورة تبدو أشبه بـ”تدخل” أو “حدث نوعي” حادّ، أدى إلى إعادة تشكيل منظومة الإنسان الحيوية والنفسية بشكل فوري، على نحو يفسر خروجه عن كثير من القوانين التي ما تزال تضبط سلوك وبنية الكائنات الأخرى.
إن محاولة التوفيق بين المعطيات العلمية التي ترصد هذه الفروقات وبين التأويل العقلاني للسردية القرآنية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة. فهي محاولة لسد الفجوة التفسيرية التي تركتها البيولوجيا التطورية، وتقديم سيناريو يدمج بين الملاحظة الموضوعية وفهم أعمق لجذور التناشز الإنساني مع الطبيعة. ومن هنا، يمكن لهذا المسار أن يفتح باباً جديداً لدراسة الإنسان، لا بصفته مجرد امتداد للحيوان، بل ككائن مرّ بلحظة تاريخية فاصلة جعلته شيئاً آخر تماماً: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [من 14 المؤمنون].

أضف تعليق