
منذ صدوره، أثار كتاب جون غراي “Men Are from Mars, Women Are from Venus” شهرة واسعة، حتى كاد يتحول إلى مرجع شعبي في فهم العلاقات بين الجنسين. غير أن ما يقدمه الكتاب ليس إلا مثالًا صارخًا على العقلية الاختزالية التي تختزل التعقيد الإنساني في ثنائيات سطحية، وتستبعد كل ما لا يتوافق مع رؤيتها المؤدلَجة للواقع.
فالكاتب، في سعيه إلى إقناع القارئ بوجود هوّة طبيعية جوهرية بين الرجل والمرأة، يعمد إلى انتقاء ضيق من الطيف السلوكي الذكوري ليضعه تحت لافتة “المريخية”، متجاهلًا السواد الأعظم من السلوكيات الأخرى التي لا تنسجم مع الصورة النمطية التي يريدها. وبالمثل، يمارس تجاه الطيف السلوكي النسوي عملية إقصاء متعمد، ليُبقي على شريحة ضئيلة منه يسميها “فينوسية”. النتيجة هي رسم صورة ثنائية مبسطة، تتعالى على الواقع وتفرض عليه قوالب جاهزة.
لكنّ الواقع الاجتماعي والأنثروبولوجي أكثر تعقيدًا بكثير. فمعظم النساء يملكن جوانب “مريخية” من الحزم والقدرة على المبادرة، كما أنّ معظم الرجال يشتركون في جوانب “فينوسية” من الرعاية والاحتضان. بل إن هذه السلوكيات ليست نتاجًا مباشرًا للتمايز البيولوجي بين الذكر والأنثى، وإنما هي إلى حدّ كبير ثمرة التنشئة الاجتماعية: البيتية، المدرسية، المجتمعية، والإعلامية. إنها استجابات متراكمة عبر أجيال، رسّخت أنماطًا سلوكية وفرضت على كلٍّ من الرجل والمرأة أدوارًا نمطية جرى توريثها وتغذيتها باستمرار.
إن اختزال الظاهرة الإنسانية بهذا الشكل لا يعبّر فقط عن تبسيط مخلّ، بل يكشف أيضًا عن استعلاء معرفي يُقصي التعقيد لصالح أنماط جاهزة. وهو ما يندرج في إطار ما يمكن تسميته بـ”المعرفة الزائفة”: معرفة مُصاغة مسبقًا لتأكيد ما يريد الكاتب الوصول إليه، لا ما يكشفه الواقع بتشابكاته وتناقضاته.
كتاب “Men Are from Mars, Women Are from Venus” يقدّم لنا درسًا عمليًا في خطورة العقلية الاختزالية المؤدلَجة. فهو يكرّس العلم الزائف عبر إقصاء التعقيد الفعلي للظاهرة الإنسانية، ويسوّق صورة مضللة عن العلاقات بين الجنسين. والتصدي لمثل هذه المقاربات لا يكون إلا بنشر المنهج العلمي الرصين، الذي يتعامل مع الظواهر بعيدًا عن الأدلجة والتنميط، ويمنح الواقع حقه في التعقيد والتعدد بدل تحويله إلى ثنائيات وهمية.
