حديثٌ نبويٌّ شريف لم نقدره حقَّ قدرِه (1): “كلُّكم لآدم وآدم من تراب”

كثيرةٌ هي الأحاديثُ النبويةُ الشريفة التي لم يقدِرها كثيرٌ منا حقَّ قدرِها. ومن هذه الأحاديث ما اشتملت عليه “خطبةُ الوداع” من كلماتٍ تمثِّلُ مفرداتٍ لنظامٍ تعبُّديٍّ شامل يكفلُ لكلِّ من التزمَ بتطبيقِه أن يصبحَ من الفائزين في هذه الحياةِ الدنيا وفي الآخرة. ومن أكثرِ هذه الكلماتِ غزارةً في المعنى قولُه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: “كلُّكم لآدم وآدم من تراب”. ويظنُّ كثيرٌ منا أنَّ هذه الكلمات المعجزة في جزالتِها، وقدرتِها على تلخيصِ آلافِ الموسوعاتِ والمجلدات بين طياتِها، إنما تتحدثُ عن وجوبِ تجاوزِ الفروقاتِ القائمةِ بين بَني آدم تبعاً لتمايزِهم في العِرقِ والعنصرِ والانتماءِ الطبقي والجهوي والفئوي فحسب، ويغيبُ عنا بالتالي وجهٌ آخرَ من الأوجهِ المتعددة التي تتكونُ منها رسالةُ هذا الحديثِ الشريف، ألا وهي ذلك النوعُ من التناشزِ البشري الذي يفترقُ بمقتضاه البشرُ ذكوراً وإناثاً. فالبشر، كما يريدُنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أن نعرفَهم، لا فرقَ بينهم في عينِ اللهِ  تعالى، رجالاً كانوا أم نساءً، إلا بما تمايزَ به واحدُهم عن الآخر بعملِه والنيةِ من وراء هذا العمل، وذلك مصداقَ قولِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: “إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ”. فالرجالُ والنساءُ كلُّهم جميعاً لآدم، وآدمُ من تراب، ولا يحقُّ لأحدٍ أن يمايزَ بين رجلٍ وإمرأة إلا بما حدَّدَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم معياراً وحيداً يتفاضلُ البشرُ بموجبِه فيما بينهم. ومعيارُ التفاضلِ هذا هو عينُ ما أنبأنا به القرآنُ العظيم في الآيةِ الكريمة 13 من سورةِ الحجرات: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
ولو أننا اتخذنا ما جاءتنا به هذه الآيةُ الكريمة، وما شدَّد علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم ألا ننساه بشأنِ حقيقتِنا الإنسانية، أما كنا لنصبحَ أهلاً لأن يُحيِيَنا اللهُ تعالى حياةً طيبةً، جعلَ قرآنُه العظيم شرطَ الفوزِ بها في هذه الدنيا ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 97 من سورةِ النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون).

أضف تعليق