
عندما يُطرح سؤال “هل يُزرع الشاي في سويسرا؟”، فإن الإجابة التي تخطر على ذهن الغالبية العظمى من الناس، أي ما يقارب 99% منهم، ستكون “لا” قاطعة. هذه الإجابة ليست عشوائية، بل هي نتاج منطق سائد مبني على المعرفة الموروثة والمألوفة. فمن المعروف والشائع أن الشاي محصول استوائي أو شبه استوائي، ينمو في مناخات رطبة وحارة مثل جنوب شرق آسيا، وليس في المناخ القاري البارد لسويسرا.
هذا التفاعل السريع مع السؤال يكشف عن طبيعة تعامل الإنسان مع التحديات المعرفية. فبدلاً من البحث أو التساؤل، يتجه العقل البشري مباشرة إلى ما يمتلكه من معلومات جاهزة ومخزنة، ليطلق حكماً سريعاً مبنياً على الافتراضات الشائعة. إنها عملية فكرية تحدث في أجزاء من الثانية، حيث لا يُسمح للفكر بالخروج عن إطار المألوف والمعروف.
لكن الأمر لا يقتصر على زراعة الشاي فحسب. هذه الظاهرة تتجلى في غالبية الأسئلة والمواقف التي نواجهها يومياً، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو المستوى الاجتماعي. كم مرة أجبنا على أسئلة بناءً على ما “نظن” أنه صحيح، لمجرد أننا لم نتجاسر على الاعتراف بأننا لا نعرف؟ هذه الإجابات، رغم أنها قد تبدو مقنعة، هي في حقيقتها مجرد تكرار لمعلومات غير مؤكدة، وهي تقف حائلاً بيننا وبين المعرفة الحقيقية.
هذا الواقع يستدعي مراجعة جذرية لمنظومتنا التربوية والمعرفية. نحن بحاجة إلى تعليم الأجيال الجديدة أن الاعتراف بالجهل ليس ضعفاً، بل هو أولى خطوات القوة. يجب أن نغرس في نفوسهم أن “لا أعلم” هي إجابة لا تقل قيمة عن “أعلم”، بل قد تفوقها في بعض الأحيان. إن الإجابة الخاطئة بناءً على معلومة شائعة تُغلق باب البحث والتعلم، في حين أن قول “لا أعلم” يفتحه على مصراعيه.
لقد أدرك رجال العلم والعرفان هذا المبدأ منذ زمن طويل. فقد قيل عن أحدهم: “من أفتى بقول لا أدري، فقد أفتى”. هذه الحكمة العميقة تشير إلى أن الإجابة بـ”لا أعلم” هي في حد ذاتها إفتاء، لأنها تضع حداً للمعلومة غير المؤكدة وتحيل السائل إلى مصدر أكثر دقة.
في عصرنا الحالي، حيث تتدفق المعلومات بغزارة، يمكننا أن نصوغ هذه الحكمة بعبارة أكثر ملاءمة: “قد أجاب الإجابة المثلى من أجاب بقوله، على سؤال يتجاوز حدود معلوماته: لا أعلم”. هذه العبارة تلخص جوهر المعرفة الحقيقية: التواضع أمام ما لا نعرف، والشجاعة في البحث عما هو صحيح، حتى لو خالف ما هو سائد.
