
منذ اللحظة الأولى لذكر قصة الخلق في القرآن، ارتبط حضور الإنسان في الأرض بسؤال الإفساد وسفك الدماء. لم يكن هذا السؤال صادرًا عن الإنسان نفسه، بل جاء على لسان الملائكة الذين استغربوا اختيار الله لجنس جديد سيكون موضع ابتلاء. غير أن النص القرآني يكشف أنّ الفساد ليس سمةً لازمة للطبيعة، ولا ظاهرة تنشأ تلقائيًا فيها، بل هو خطر كامن في الإنسان وحده، بما يحمله من قابلية للانحراف، وبما أودع فيه من حرية تجعله قادرًا على الخير والشر معًا.
الفساد والطبيعة بين الإذن والمنع
الطبيعة في جوهرها محكومة بالانضباط، تسير وفق قوانين ثابتة لا تتبدل. لم يُعرف عنها أنّها تفسد أو تطغى من تلقاء نفسها. فإذا وقع في الطبيعة طغيان أو خراب، فإنما يقع بإذن الله وبتدبير منه، كما في قصة الطوفان:
{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11]
حيث لم يَطغُ الماء بذاته، وإنما فُتحت أبواب السماء وفُجّرت الأرض عيونًا {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 12].
وكذلك الشأن مع الكائنات. لم يُسمح لمخلوقات ما قبل آدم أن تفسد وتسفك الدماء إلا استثناءً عابرًا، بإذن مباشر من الله، ليكون ذلك تمهيدًا لمرحلة لاحقة في تاريخ الخلق. هذه الطائفة من أشباه الإنسان، وقد أصابها نوع من العدوانية غير المنضبطة، كانت النموذج الأول للفساد البشري. أمر الله الملائكة بإبادتها، لكنه استثنى واحدًا منها، ليجعله خليفة في الأرض، ألا وهو آدم.
ثانيًا: معنى الخلافة القرآنية
من هنا يتضح أن الخليفة في الآية: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30]، ليس سلطانًا على الأرض ولا حاكمًا مطلقًا عليها، بل هو من يخلف قومًا سبقوه أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء.
فالخلافة ليست تفويضًا بالهيمنة على الكون، وإنما اختبار للإنسان الذي يحمل في جيناته أثر ذلك الانحراف القديم، مع منحة إلهية جديدة تجعله قادرًا على التحرر منه: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي} [الحجر: 29].
مأزق الإنسان بين الجينات والحرية
لكن هذا “الأمان” لم يكتمل؛ إذ إن أكل آدم من الشجرة أدخل ذريته في صراع دائم مع أثر تلك العدوانية الكامنة، وإنْ بصيغة مخففة. هكذا ورث الإنسان قابلية مزدوجة: إما أن يخضع لهدى الله فيسمو، أو أن يترك نفسه لأهوائها فتتغوّل لتصبح متعطشة للإفساد وسفك الدماء.
هذه القابلية لا تُكبح إلا بسلطان الإرادة المعزّز بالوحي. فإن ضعفت الإرادة أو غاب الهدي، تحوّل الإنسان إلى كائن لا يردعه إلا خوفه من سلطة القانون. وقد جسدت بعض الأعمال الفنية الحديثة (مثل سلسلة The Purge) صورة تقريبية لهذا الاحتمال المرعب.
طريقان لا ثالث لهما
قصة الهبوط من الجنة تلخّص هذا الصراع:
{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (39)} [البقرة: 38-39].
إذن فالإنسان بعد الأكل من الشجرة صار أمام خيارين:
إما أن يلجم نفسه بالهدى فيصبح صالحًا مصلحًا.
أو يتركها تنقاد لأهوائها فتنقلب إلى مفسدة في الأرض وسفاكة للدماء.
ليس الإفساد إذن شأن الطبيعة، ولا قَدَرًا محتومًا، بل هو خطر الإنسان وحده. والخلافة ليست امتيازًا للسيطرة على الكون، بل مسؤولية الاستخلاف بعد قوم مفسدين. وبين هذه القابلية الموروثة وهذا التكليف الإلهي، يبقى الإنسان في مفترق دائم: إما أن يتبنى هدى الله فيحرر إرادته، أو يستسلم لشهواته فيكرر مأساة أسلافه، ليغدو عدوًا للأرض ولذاته معًا.
