
في كتابه “الغطرسة: الجذور الأمريكية لحرب روسيا ضد أوكرانيا”
(Hubris: The American Origins of Russia’s War against Ukraine)
، يتحدى البروفيسور جوناثان هاسلام السرد السائد حول الحرب. فبينما يلقي الكثيرون باللائمة على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وطموحاته الإمبراطورية، يرى هاسلام أن الصراع الحالي هو نتاج لسنوات من السياسات الغربية الخاطئة. ومن وجهة نظره، فإن توسع حلف الناتو شرقًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتجاهل مخاوف روسيا الأمنية، هو ما خلق بيئة جيوسياسية متوترة دفعت باتجاه المواجهة. يذهب هاسلام إلى أن هذه الأخطاء الغربية هي سبب من عدة أسباب أدت إلى الحرب، وبالتالي، فإن المسؤولية تقع على عاتق الطرفين.
إننا نتفق مع الكثير مما ذهب إليه هاسلام في تحليله لغطرسة الغرب وتجاهله للمخاوف الروسية. لكننا نختلف معه في إلقاء جزء من المسؤولية على روسيا. فمحاولة هاسلام لتقديم صورة “متوازنة” أو “محايدة” قد تكون نبيلة، لكنها تغفل الحقيقة الجوهرية التي تفوق أي اعتبارات أخرى. الحقيقة الوحيدة التي يجب أن نركز عليها هي أن الحرب اندلعت لأن الغرب تجاوز “الخط الأحمر” الذي رسمته روسيا لسنوات طويلة.
لقد أوضحت روسيا مرارًا أن الناتو، بصفته قوة عسكرية معادية، يجب ألا يتوسع ليشمل أوكرانيا، التي تعتبرها موسكو جزءًا لا يتجزأ من مجالها الأمني الحيوي. إن روسيا لا تنظر إلى أوكرانيا كدولة مستقلة تتخذ قراراتها بحرية، بل كأداة في يد الغرب، تهدف إلى وضع القوات العسكرية للناتو على حدودها. وهذا يشكل خطرًا وجوديًا لا يمكن التسامح معه.
إن قراءة تاريخ السياسة الغربية منذ نهاية الحرب الباردة، تكشف عن نمط ثابت من “الزحف شرقًا”. هذا التوسع المستمر، الذي استوعب دولًا كانت في السابق جزءًا من الكتلة السوفيتية، جعل روسيا تعتقد أن الهدف النهائي ليس احتواءها فحسب، بل تفكيكها. هذا الخوف ليس وهمًا، بل هو قراءة منطقية لسياسة غربية أحادية، تتجاهل مصالح الآخرين وتتصرف بغطرسة.
إذن، فإن الخطأ الغربي ليس مجرد “سبب من عدة أسباب” كما يزعم هاسلام، بل هو السبب الوحيد الذي أطلق شرارة الصراع. فلو أن الغرب لم يتوسع، ولو أنه احترم المخاوف الروسية، لما كانت هناك حرب. إن تجاهل “الخط الأحمر” الروسي هو الذي أدى إلى هذا الصراع المأساوي.
