هل أخطأ فيتجنشتاين في فهم “النزعة العلمية” لدى الإنسان البدائي؟

يُعدّ النقد اللاذع الذي وجهه الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين لعالم الأنثروبولوجيا جيمس فريزر في كتابه “الغصن الذهبي” من أهم النقاط الفلسفية التي أثرت في الفكر الحديث. فقد انتقد فيتجنشتاين محاولة فريزر لتصوير الطقوس السحرية والدينية للشعوب البدائية على أنها “محاولات علمية فاشلة”، معتبرًا أن هذه المقاربة تحمل في طياتها استعلاءً معرفيًا وتجاهلاً لطبيعة هذه الظواهر. ومع ذلك، يمكننا أن نطرح سؤالاً جوهريًا: هل أخطأ فيتجنشتاين نفسه في ظنه أن النزعة العلمية تتطلب عقلية علمية متقدمة؟ وهل تجاهل حقيقة أن الإنسان، في جوهره، يمتلك نزعة فطرية لمحاولة فهم أسباب الظواهر من حوله، بغض النظر عن عصره أو ثقافته؟

نقد فيتجنشتاين… الطقوس كتعبير لا كتفسير

ركز فيتجنشتاين في “ملاحظات على الغصن الذهبي” على أن الأفعال السحرية والطقوس البدائية يجب ألا تُفهم على أنها نظريات حول العالم قابلة للخطأ أو الصواب. بل هي، في رأيه، تعبيرات عن مشاعر إنسانية عميقة كالحزن، والأمل، والخوف، والحاجة. على سبيل المثال، يرى أن حرق تمثال لعدو ليس محاولة غير علمية للتسبب في ضرر له، بل هو تعبير عن الكراهية. هذا المنظور يرفض بشكل قاطع الحكم على تلك الممارسات من منظور العقلية الغربية الحديثة، ويدعو إلى فهمها ضمن سياقها الخاص كـ”شكل من أشكال الحياة” (Form of Life) الذي له قواعده ومنطقه الداخلي.

النزعة العلمية والنزعة الميتافيزيقية: خيط واحد يجمع الإنسان

على الرغم من وجاهة نقد فيتجنشتاين، إلا أن هناك من يرى أنه بالغ في فصل “التعبير” عن “التفسير”. فمن الممكن أن تكون الطقوس تعبيرًا عن مشاعر وفي الوقت نفسه محاولة لفهم وتفسير العالم. إن الإنسان، منذ أقدم العصور، يمتلك نزعة فطرية لا يمكن إنكارها للبحث عن سبب الأحداث وتكرارها. فالطفل الصغير يميل إلى طرح الأسئلة “لماذا؟”، وهذه النزعة هي بذرة العقلية العلمية التي تتطور مع النضج والخبرة. فهل يمكننا القول إن الإنسان البدائي، عندما لاحظ تكرار مواسم الجفاف، لم يحاول صياغة نموذج -وإن كان ميتافيزيقيًا- لفهم سبب ذلك؟
لقد فات فيتجنشتاين أن يدرك أن “النزعة الميتافيزيقية” التي حكم بها على الشعوب البدائية لم تفارق العقلية العلمية الحديثة يومًا. إن الفيزياء النظرية المعاصرة، على سبيل المثال، لا يمكن أن تتقدم خطوة واحدة دون مقاربة ميتافيزيقية للكون. فنظريات مثل الأكوان المتوازية، والمادة المظلمة، والطاقة المظلمة، والأوتار الفائقة، هي في جوهرها أفكار ميتافيزيقية تُصاغ لتفسير الظواهر التي لا يمكن رصدها مباشرة.
إن هذه النظريات، التي شكلت أساس تقدم الفيزياء الحديثة، لم تولد من العدم. بل هي نتاج لنفس النزعة الإنسانية التي تدفعنا لتصور ما وراء الظاهر، وهي ذات النزعة التي دفعت الإنسان البدائي للتفكير في الأسباب غير المرئية التي تقف وراء الظواهر الطبيعية.

الإنسان بين العلم والميتافيزيقيا

في الختام، يمكن القول إن فيتجنشتاين كان محقًا في تحذيره من الاستعلاء المعرفي، وضرورة فهم الثقافات من منظورها الخاص. ومع ذلك، قد يكون قد أخطأ في فصله القاطع بين “النزعة العلمية” و”النزعة الميتافيزيقية”. فالأخيرة ليست نقيضًا للأولى، بل هي جزء أصيل منها، وشرط أساسي لتقدمها. إن الإنسان المعاصر، بفضل نزعته الميتافيزيقية، تمكن من إبداع نظريات مذهلة أوصلته إلى القمر وتعده بالوصول إلى المريخ. وهي ذات النزعة التي أتاحت للإنسان البدائي أن ينسج خيوطًا من الفهم ليعيش في عالم لم يكن يمتلك أدوات لفهمه إلا من خلالها.
بذلك، ندرك أن الانتقاد اللاذع لفريزر، وإن كان يحمل في طياته دروسًا فلسفية مهمة، إلا أنه لم يستطع أن ينكر حقيقة أن الإنسان كائن مفكر بطبعه، وأن نزعته للبحث عن الأسباب تفسر سلوكه، سواء كان ذلك بإنشاء طقس ديني أو بصياغة نظرية فيزيائية معقدة.

أضف تعليق