
ليس الإنسان كائنًا بسيطًا أو متجانسًا كما توهمنا الموروثات القديمة أو بعض التصورات الحديثة. إن التركيبة المعقدة التي تجمع بين مكونات وجوده تجعل منه كائنًا مزدوج الإرادة، محكومًا بصراع داخلي دائم بين عقله المتطور ونفسه البدائية. فالعقل البشري – بفضل تراكم آلاف السنين من التجربة، والارتقاء المعرفي، والتطور التشريحي والفسيولوجي – أصبح جهازًا مذهلًا قادرًا على التفكير الرمزي والتجريد والتحليل. غير أن النفس البشرية التي ورثها الإنسان المعاصر عن أسلافه البدائيين ما زالت حيّة وقابعة في أعماقه، تفرض حضورها في دوافعه ورغباته، وتجرّه أحيانًا إلى ما يتعارض مع أحكام العقل نفسه.
إن هذه الازدواجية تكشف عن حقيقة مزعجة: أن الإنسان الحديث، بكل إنجازاته الفكرية والعلمية والتقنية، ما يزال يخضع في قراراته وسلوكياته لتلك الغرائز القديمة نفسها التي حكمت أسلافه الأوائل. فما زالت العدوانية المفرطة، وحب السيطرة، والأنانية المتجذرة تحركه في كثير من الأحيان، وتدفعه إلى سلوكيات لا تختلف في جوهرها عن ردود أفعال الإنسان البدائي حين واجه الخوف، أو التحدي، أو الجوع. الفارق الوحيد هو أن أدوات هذا العصر أصبحت أشد فتكًا وأوسع نطاقًا من مجرد عصًا حجرية أو سن رمح.
لقد فشلت كل عمليات التدجين العقلي والترويض المعرفي والانحيازات الأخلاقية عبر التاريخ في القضاء على هذا التناقض الجوهري. فلا يزال الإنسان، على الرغم من كل مؤسساته الفكرية والقانونية والدينية، عرضة لانفجارات من العنف الهمجي والأنانية المفرطة التي تجعله يتصرف أحيانًا كما لو كان ذلك الإنسان الذي يتقاسم طعامه مع ضيفه في النهار ليغتاله عند حلول الليل.
ومن هنا يظهر المأزق الحقيقي للعلم والفلسفة: كيف يمكن تفسير هذا التناقض البنيوي بين عقل راقٍ لا نظير له في الطبيعة، ونفس بدائية لا تزال تستوطن داخله وتجرّه إلى سلوكيات تفضح هشاشة هذا الكائن الذي توهم أنه سيد المخلوقات؟ أليس الإنسان، في نهاية المطاف، أقرب إلى أن يكون كائنًا مأزوماً بالإرادتين معًا، لا إلى كائن حرٍّ متوحد الإرادة؟
