
يشكّل الإنسان ظاهرة أنثروبولوجية وفلسفية معقدة لا يمكن اختزالها في كيانٍ متجانس أو وحدة إرادية متماسكة. فالبنية الوجودية للإنسان تكشف عن ازدواجية عميقة بين مستويين متناقضين: العقل من جهة، بما يمثله من حصيلة التطور المعرفي والفكري عبر آلاف السنين، والنفس البدائية من جهة أخرى، بما تختزنه من دوافع غريزية واندفاعات عدوانية موروثة من العصور الأولى للوجود البشري. هذه الازدواجية تجعل الإنسان كائنًا مزدوج الإرادة، تتحكم فيه قوتان متعارضتان، مما يفسر كثيرًا من مظاهر التناقض في سلوكه الفردي والجماعي.
لقد ارتقى العقل البشري – بفضل تراكم الخبرات المعرفية والتحولات البنيوية في الدماغ – إلى مستوى غير مسبوق في قدرته على التفكير الرمزي، والتجريد، وتنظيم المعارف. غير أن هذا الارتقاء لم يواكبه تطور مماثل للنفس البشرية، التي ما تزال تحتفظ ببنيتها الأولى: غريزية، أنانية، عدوانية، ومشدودة إلى بواعث البقاء والسيطرة. وهكذا يتولد في الإنسان المعاصر توترٌ بنيوي: فبينما يدعوه عقله إلى ضبط السلوك وفق قيم أخلاقية وقوانين عقلانية، تدفعه نفسه البدائية في كثير من الأحيان إلى ما يناقض ذلك تمامًا، فتغلب نزعة الهيمنة، والانتقام، والأنانية على مقتضيات العقلانية.
هذا التناقض ليس مجرد عرضٍ عابر يمكن تجاوزه بعمليات التثقيف أو التهذيب الاجتماعي، بل هو مكوّن أنثروبولوجي أصيل في تركيب الإنسان. فالتاريخ الإنساني، على الرغم من مؤسساته الأخلاقية والدينية والفكرية، لم يفلح في استئصال جذور العنف والعدوانية. بل إن تطور الأدوات العقلية والتقنية جعل الإنسان أكثر قدرة على ممارسة عدوانيته البدائية بوسائل أشد فتكًا، بحيث غدا سلوكُه “البدائي” مموّهًا بواجهات حضارية، لكنه لا يقل همجية في جوهره عما كان يصدر عن أسلافه الأوائل.
إن هذا الواقع يضع الفكر الفلسفي والعلمي أمام سؤال جوهري:
كيف يمكن فهم الإنسان في ظل هذه الازدواجية البنيوية؟ أهو كائن عقلاني حرّ الإرادة كما يتصور نفسه، أم هو كائن مأزوم بإرادتين متصارعتين، إحداهما متمدنة والأخرى بدائية، لا يمكن التوفيق بينهما إلا بثمن من التناقض الدائم؟
ولعل هذا هو ما يفسر عجز العلم المعاصر عن تقديم تفسير كامل للسلوك البشري: فالمعادلة الإنسانية لا تختزل في العقل وحده، ولا في الغرائز وحدها، بل في التوتر الدائم بينهما. ومن هنا فإن فهم الإنسان يقتضي مقاربة أنثروبولوجية فلسفية تنظر إليه ككائن مشطور الإرادة، محكوم بصراع داخلي لا نهاية له، صراع يشكل جوهر وجوده، بل وربما مأزقه الأبدي.
