
من الصعب أن نتصوّر فهمًا رصينًا للكيان البشري من غير إدراك جانبٍ أساسي من رحلته التطورية. فهذا الجانب يفتح لنا أبوابًا واسعة لفهم وظائفنا الفسيولوجية وبنيتنا البايولوجية، وهو الجانب الذي يثير الإعجاب بقدر ما يثير الاستغراب من إصرار بعضهم على إنكاره بدعوى أن الاعتراف بالتطور يتعارض مع العقيدة القائلة بخلق الإنسان خلقًا متمايزًا عن الحيوان والنبات وسائر المخلوقات.
غير أن هذا الإنكار يقوم على مغالطة مزدوجة: أولاً، لأن التطور لم يعد فرضية قابلة للجدل كما كان في القرن التاسع عشر، بل أصبح اليوم حقيقة مثبتة في صلب علم الحياة مثلها مثل ظاهرة التمثيل الكلوروفيلي في النبات. وثانيًا، لأن رفض التطور باسم الدين لا يحمي الإيمان، بل يُدخل العقل في تناقض غير ضروري، حيث يجعل من الحقائق العلمية الصلبة موضوعًا للمساومة العقائدية.
يدّعي المشككون أن العلم لم يعثر على ما يثبت وجود علاقة تطورية بين الحيوان والإنسان، وأن فرضية “رحلة” بدأت بالحيوان وانتهت بالإنسان لا تقوم على دليل. لكن هذا الادعاء يفشل أمام الكم الهائل من المكتشفات الجينية، والحفرية، والتشريحية، التي تؤكد تشارك الإنسان مع الكائنات الأخرى في تاريخ طويل من التشكل والتبدّل. ومن ثمّ فإن الترويج لفكرة أن العلم قد “دحض التطور” ليس سوى استثمار أيديولوجي في جهل العامة، ولا علاقة له بالعلم.
إن إدراك حقيقة التطور لا يُنقص من خصوصية الإنسان، بل يضعها في موضعها الصحيح. فالمفارقة الكبرى أن التطور نفسه، بعدما أوضح لنا أبعادنا الطبيعية، يبين لنا أيضًا حدود ما يمكن للطبيعة أن تفسره. فهناك جوانب من التجربة الإنسانية تعجز قوانين البيولوجيا عن استيعابها بالكامل، مثل نزوعنا إلى العدوانية المفرطة، وفعاليتنا الجنسية غير المنضبطة، وضعف منظومتنا المناعية، فضلًا عن علاقتنا المأزومة بذواتنا وببعضنا وبالطبيعة من حولنا، وهي علاقة بلغت ذروتها في تلويث المناخ وتدمير النظم البيئية.
هذه المفارقة تضعنا أمام حقيقة أعمق: أن الإنسان ليس مجرد كائن طبيعي، بل هو كائن مزدوج الطبيعة. نصفه الأول يخضع لقوانين البيولوجيا والتطور، بينما نصفه الآخر يأبى أن ينحصر في هذه القوانين. هذه الازدواجية تشير إلى أن رحلة الإنسان لم تجرِ كلها داخل حدود الطبيعة كما نعرفها، بل انطوت على لحظات فاصلة لا يمكن تفسيرها تفسيرًا طبيعيًا صرفًا.
ومن هنا تأتي أهمية التطور بوصفه دليلًا مزدوجًا: فهو من جهة يثبت وحدة الحياة وتشابكها عبر التاريخ، ومن جهة أخرى يكشف لنا حدود العلم الطبيعي في تفسير الإنسان. وحين ندرك هذه الحدود ندرك الحاجة الملحة إلى البحث في أفق آخر، يتجاوز الطبيعة نحو سؤال المعنى، والغاية، والمصير. عندها فقط نستطيع أن نفهم لماذا صار الإنسان اليوم عدوًّا جامعًا للطبيعة ولذاته في آنٍ واحد، وكيف أن هذه العداوة لا يمكن ردّها إلى الطبيعة وحدها، بل إلى ذلك البعد الثاني من كياننا الذي يظل عصيًّا على التفسير الطبيعي.
