
من أكثر المغالطات شيوعًا في النقاشات الفكرية والعلمية تلك التي تزعم أن دحض بعض تفاصيل نظرية دارون يعني بالضرورة نهاية فكرة التطور نفسها. فثمة خلط واضح بين “الحقيقة العلمية” وبين “النظرية التفسيرية” التي يقدمها العلماء لفهم تلك الحقيقة.
فالتطور، بمفهومه العام، لم يعد موضع جدل في الوسط العلمي، لأنه يمثل واقعًا مشهودًا في الكائنات الحية، تؤكده الأدلة الأحفورية، والتشريح المقارن، وعلم الجينات، والملاحظة المباشرة لتغير الكائنات عبر الأجيال. إنه حقيقة من حقائق الوجود، شأنه شأن الجاذبية أو دوران الأرض حول الشمس. أما ما يبقى مفتوحًا للنقاش فهو كيف يحدث التطور، وما هي الآليات الدقيقة التي تفسره.
لقد قدّم دارون في القرن التاسع عشر نظرية “الانتقاء الطبيعي” كآلية أساسية للتطور. ورغم عبقرية الفكرة وأثرها الهائل، إلا أن التطورات العلمية اللاحقة بيّنت أن الانتقاء الطبيعي ليس الآلية الوحيدة، وأن هناك عوامل أخرى كالتطفّر الجيني، والانحراف الوراثي، والتوازن التطوري، والتطور الجيني-الإبيجيني، تلعب أدوارًا معقّدة. هذا لا يعني أن دارون كان “مخطئًا” بالمطلق، بل أن تصوره كان جزئيًا، محدودًا بإمكانات المعرفة في عصره.
وهذا هو جوهر العملية العلمية: العلم لا يقدّم حقائق نهائية مغلقة، بل يطرح نظريات قابلة للفحص والنقد والتعديل. فإذا سقطت نظرية ما أو جرى تعديلها، فهذا لا ينسف الواقع الذي تحاول تفسيره، بل يقود إلى صياغة إطار أوسع وأكثر دقة. فدحض بعض تفاصيل نظرية دارون لا يلغي التطور، بل يفتح الباب أمام مزيد من الفهم المعمق له.
إذن، الخطأ المنطقي يكمن في مساواة سقوط النظرية مع سقوط الحقيقة. فلو أن دحض بعض نماذج الفيزياء الكلاسيكية جعلنا ننكر وجود الظواهر الفيزيائية نفسها، لما تقدّم العلم خطوة. ولكن ما جرى هو العكس: كلما سقطت نظرية أو تم تعديلها، اقتربنا أكثر من عمق الحقيقة. وهكذا، فالتطور باقٍ كإحدى حقائق الوجود، بينما تبقى النظريات مجرد أدوات بشرية لفهمه، تصيب أحيانًا وتخطئ أحيانًا أخرى.
