
أسهبَ القرآنُ العظيم في الحديثِ عن مجرياتِ اليومِ الآخِر بدءاً بالأحداثِ الكونيةِ العظام وانتهاءً ببعثِ الموتى، وذلك مستهلَّ رحلتِهم إلى الخلودِ إما في النارِ أو في الجنة. ومن تلك الأحداثِ الكونيةِ العِظام، ما فصَّلته لنا الآياتُ القرآنيةُ التي تتحدث عن مصيرِ السماءِ بعامة، والنجومِ والكواكبِ والشمسِ والقمرِ والأرضِ بخاصة.
ولنأخذ على سبيلِ المثال قولَ اللهِ تعالى (وَإِذا السَّمَاءُ كُشِطَتْ) (11 التكوير). فالسماءُ، وفقاً لهذه الآيةِ الكريمة، سيجري كشطُها، وذلك بإزالةِ ما فيها من أجرامٍ كالنجومِ والكواكبِ وغيرِها. وكشطُ السماءِ، بإزالةِ أجرامِها، أمرٌ لا يمكنُ للعِلمِ الذي بين أيدينا أن يتفقَ معه، وذلك لتعارُضِه مع الأسسِ التي تقومُ عليها الفيزياء وقوانين علمِ الفلك. وهذا التعارضُ ما بين النصوصِ القرآنيةِ التي تتحدثُ عن الأحداثِ الكونية يوم القيامة، وبين قوانينِ العِلم، هو مما ينبغي أن يؤخذَ بنظرِ الاعتبار عند الحديثِ عن كونِ العِلمِ والدين وجهانِ لحقيقةٍ واحدة.
وهذا الذي تحدثَ عنه القرآنُ العظيم، من كشطٍ للسماءِ بإزالةِ أجرامِها، لا يمكنُ اعتبارُه حدثاً بالإمكانِ تجاوزُه والالتفافُ من حولِه وإقصاؤه بعيداً، وذلك حتى لا يهتزَ تصورُ الزاعمين بألا تعارضَ هنالك على الإطلاقِ بين الدينِ والعِلم. فكشطُ السماء حقيقةٌ تم التشديدُ عليها في مواطنَ قرآنيةٍ كثيرة: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) (2 الانفطار)، (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) (2 الكوير). فانكدارُ النجوم، وانتثارُ الكواكب، حدثان كونيان جليلان يتماهيان مع كشطِ السماءِ بإزالةِ ما فيها من نجومٍ وكواكب. وهذا الحدثُ الكونيُّ الجليل، الذي سيمهِّدُ السبيلَ لباقي أحداثِ اليومِ الآخر، هو الذي سيجعلُ السماءَ تصبحُ مستهلَّ يومِ القيامة كما وصفها القرآنُ العظيم: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) (1 الانفطار)، (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) (1 الانشقاق)، (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ) (9 المرسَلات). وجملةُ الأحداثِ هذه هي التي وصفتها، ببلاغةٍ وإيجاز، الآيةُ الكريمة: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) (8 المرسلات).
يرينا تدبُّرُ هذا الجانبِ من جوانبِ المشهدِ الآخروي أنَّ الإصرارَ على القولِ بأنَّ العِلمَ والدين وجهان لحقيقةٍ واحدة لن يُفضِيَ بنا إلا إلى التفريطِ في كلٍّ من العِلمِ والدين، وبما يجعلنا نخسرُ أيَّ إمكانيةٍ لإيجادِ صلةِ وصلٍ وتواصلٍ واتصال بينهما.
