الانتقام… بين العقل البشري والغرائز الحيوانية

يُشكل كتاب “علم نفس الانتقام” (The Psychology of Revenge) إضافة نوعية لفهم أحد أكثر السلوكيات الإنسانية تعقيدًا وإشكالية. فمن خلال تحليل عميق، كشف الكتاب عن حقيقة صادمة: أن الرغبة المرضية في الانتقام لا تجلب أي منفعة حقيقية لمن ينساق خلفها، بل على العكس قد تقوده إلى دوامة من الألم والفراغ. وهذا ما يجعلنا نُثمن دعوته إلى تهذيب هذه الرغبة، والعمل على إذكاء روح المسامحة والعفو، وهي قيم أخلاقية رفيعة تتوافق مع ما تدعو إليه الشرائع الإلهية، وخاصة الإسلام، الذي يُعلي من شأن العفو والصفح الجميل، كما في قوله تعالى: “وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” [النور : 22].

تساؤلات حول الانتقام: هل أخطأ التطور طريقه؟

على الرغم من أهمية النتائج التي توصل إليها الكتاب، إلا أنه أغفل جانبًا جوهريًا يستدعي النقاش، وهو التساؤل عن سبب انفلات الانتقام عند الإنسان، مقارنةً بالانضباط الذي يظهر عند الحيوان، وهو ما يتنافى مع المنطق التطوري. فإذا كان الإنسان قد تطور من ماضٍ حيواني، حيث يُمارَس الانتقام بضوابط صارمة، فمن المفترض أن يظهر الإنسان، لا الحيوان، ما يظهر في الانتقام من انضباط.

الانتقام عند الحيوان: محكوم بالغرائز لا العقل

يُمارس الحيوان الانتقام وفقًا لقوانين بيولوجية بحتة، تهدف إلى استعادة السيطرة أو حماية الصغار، ولا يتجاوز ذلك. فهو لا يمتلك عقلًا معقدًا أو منظومة أخلاقية أو إرادة تسمح له بالتفكير في الانتقام المعقد الذي نراه عند البشر. ورغم ذلك، نرى أن الحيوان يتصرف بانضباط وإحساس بالمسؤولية، فيقصر انتقامه على من يؤذيه مباشرة، دون أن يُبالغ فيه أو يُعممه ليشمل آخرين لا علاقة لهم بالضرر.

الانتقام عند الإنسان: لماذا يبالغ ويُعمم؟

إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك عقلًا حاد الذكاء، ومنظومات أخلاقية، وإرادة. هذه القدرات هي التي سمحت له بتطوير مفاهيم مثل الكرامة والعدالة. ولكنها أيضًا سمحت له بالانفلات في انتقامه، فيُبالغ فيه لدرجة تُصيب كل من له صلة بالمعتدي. وهذا ما يجعلنا نتساءل: لماذا لم تُسهم هذه القدرات العقلية والأخلاقية في كبح جماح الانتقام، بدلًا من أن تكون أداة لتضخيمه وتعميمه؟
إن هذا التناقض يُثير تساؤلًا عميقًا حول طبيعة التطور البشري، فهل أخطأ التطور طريقه حين منح الإنسان هذه القدرات العقلية التي استخدمها في الانتقام، بدلًا من أن يوجهها نحو تحقيق التسامح والصفح؟

أضف تعليق