الغضب بين الحيوان والإنسان… مفارقة الطبيعة والعقل

تكشف الملاحظة المنهجية الصارمة لسلوكيات الحيوان والإنسان عن مفارقة صارخة تتعلق بظاهرة الغضب (rage). فبينما يظهر الحيوان انفعاله في حدودٍ ضيقة، تظلّ محكومة بمحددات سلوكية وغرائزية صارمة لا تسمح له بالتمادي بما يخلّ بالنظام الطبيعي أو يضرّ بالصالح العام، نجد أن الإنسان – على الرغم من امتلاكه العقل والتربية والمعرفة – كثيرًا ما يتجاوز تلك الحدود حتى يصبح غضبه قوة مدمرة، تنفلت من الضبط والتحكم، وتفضي إلى الفساد في الأرض وسفك الدماء.
إن الملاحظة الدقيقة تكشف أن الحيوان، في لحظة الغضب، يلتزم بحدود بيولوجية واضحة. فهو قد يثور دفاعًا عن نفسه أو عن نسله أو موارده، لكن سرعان ما يخمد انفعاله بمجرد زوال السبب المباشر. أما الإنسان، فقد يحول الغضب عنده إلى حالة ممتدة، تتجاوز دوافعها المباشرة لتتحول إلى حقد، انتقام، أو حتى رغبة في التدمير لأجل ذاته. هنا يتولد السؤال الإشكالي: أفلم يكن الأجدر بالإنسان، بصفته الكائن العاقل والمتحضر والمربى على القيم الاجتماعية والأخلاقية، أن يكون أقدر على ضبط انفعالاته والتحكم بغضبه، لا أن يبالغ فيه حتى يتخذ أشكالًا من التوحش والعدوان؟
ويحق لنا أن نتساءل: في أي مدرسة للأخلاق أو في أي مجتمع تربوي تعلم الحيوان كيف يضبط غضبه ويقنن انفعاله فلا يخرج عن السيطرة؟ إن ضبط الحيوان لانفعالاته لا يصدر عن وعي فلسفي ولا عن تربية مدرسية، بل عن انسجامه مع قوانين الطبيعة وحدودها. أما الإنسان، الذي ادعى الفلاسفة والمفكرون والمتدينون أنه يسمو فوق غرائزه الحيوانية، فقد أثبت – من خلال التاريخ الممتد للصراعات والحروب – أنه كثيرًا ما ينحدر إلى مستويات من الانفعال لا يعرفها الحيوان نفسه.
إن هذه المفارقة تستدعي إعادة نظر جذرية في الموروث الفكري والأخلاقي الذي رسّخ صورة نمطية عن الحيوان باعتباره كائنًا غريزيًا لا يعرف إلا أن يأكل القوي فيه الضعيف، مقابل صورة مثالية للإنسان باعتباره الكائن الذي يسمو فوق بهيميته. فالملاحظة العلمية الدقيقة تكشف أن الحيوان أكثر ضبطًا لانفعاله من الإنسان، وأن الأخير هو الذي غالبًا ما يخلّ بتوازن الطبيعة عبر انفلات غضبه.
من هنا، يصبح التساؤل عن مغزى العملية التطورية أمرًا مشروعًا: ما الذي تعنيه ملايين السنين من التطور إذا كان نتاجها الأخير هو كائن متفوق عقليًا، لكنه متدنٍ أخلاقيًا إلى حد يهدد الطبيعة كلها؟ وهل كانت الطبيعة، وهي تجهد في الارتقاء بالإنسان حتى بلغ الذروة في الذكاء والقدرة على التفكير المجرد، تعي أنها بصنيعها هذا قد صنعت في الوقت نفسه كائنًا قادرًا على تدميرها – أي قاتلها المحتمل؟

أضف تعليق