
منذ أقدم العصور، شكّلت قصة جنة عدن محورًا للتساؤلات الدينية والفكرية، وموضوعًا لا ينفك يثير النقاش حول مكانها وحقيقتها. وإذا كان سِفر التكوين في العهد القديم قد أجمع، من خلال تعدد رواياته وتفسيرات أتباعه، على أن تلك الجنة كانت على هذه الأرض، فإن القرآن العظيم قد انفرد في المقابل برسم صورة مغايرة، جاعلًا مكان الجنة في السماء، حيث الملأ الأعلى من الملائكة.
فالنص القرآني يقدّم مشهدًا متكاملًا: إذ يُخبرنا أن الله تعالى أسكن آدم وزوجه جنةً سماوية، هي ذاتها التي وُجد فيها إبليس قبل طرده، حين كان يُسمح له أن يعبد الله مع الملائكة. وحين أبى أن يسجد لآدم تكبّرًا وغرورًا، صدر بحقه الحكم الإلهي:
{قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13].
ولم يكن مصير آدم وزوجه بعيدًا عن هذا المسار؛ فبعد أن أكلا من الشجرة التي نُهيا عنها، تعيّن عليهما بدورهما أن يهبطا إلى الأرض:
{وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36].
بهذا يضع القرآن الجنة بوضوح في السماء، ويميز بين عالمين: عالم الجنة العلوي حيث الملائكة وعبادة الله، وعالم الأرض حيث الاستقرار والمعيشة والابتلاء.
لكن هذا الوضوح لم يمنع بعض المفسرين من أن يذهبوا مذهب العهد القديم، فيزعموا أن جنة آدم كانت أرضية. وقد استندوا في ذلك إلى ما رأوه أيسر عقلًا ومنطقًا؛ إذ استعظموا فكرة الهبوط من السماء إلى الأرض، فحاولوا تأويل النصوص القرآنية بما يوافق سردية العهد القديم. وهنا يتضح أثر العقل البشري حين يضع شروطه الخاصة لقبول النصوص الدينية، وكأنما لسان حالهم يقول: “لا تُقبل القصة إلا إذا جرت وفق منطقنا الأرضي وحدوده الذهنية”.
إن ما ذهب إليه العهد القديم من أن جنة عدن كانت على هذه الأرض، وهو ما وافقهم عليه بعض مفسري القرآن العظيم بقولهم ان جنة آدم وزوجه كانت هي الأخرى على هذه الأرض، إنما ينبع من مصدر واحد: محاولة تلطيف أو عقلنة السردية الدينية لتتلاءم مع إدراك الإنسان المحدود. بينما النص القرآني، بصرامته ووضوحه، يضع الجنة في موقعها العلوي، مؤكدًا الفارق الجوهري بين عالم الابتلاء الأرضي وعالم الطهر السماوي.
إن الاختلاف بين العهد القديم والقرآن العظيم حول موقع جنة عدن لا يقتصر على بُعد جغرافي أو كوني، بل يعكس اختلافًا في الرؤية الكونية ذاتها: ففي حين يصرّ العهد القديم على إسقاط الجنة إلى الأرض، يرفعها القرآن إلى السماء، مؤكّدًا أن الإنسان لم يبدأ رحلته من مكان أرضي محض، بل من مقام علوي جعله جديرًا بالاختبار والابتلاء. ومن ثمّ، فإن الإصرار على جعل الجنة أرضية ليس سوى انعكاس لصعوبة تقبّل فكرة السردية الإلهية التي تكسر أفق المنطق البشري الضيق.
