قد يكون تشابه عنوانين كتابين، صِدامًا مثاليًا لفهم تحولات الفكر العلمي. فبينما يروي لنا الكتاب الأول “معركة الانفجار العظيم” قصة انتصار أيديولوجية علمية، يفتح لنا الكتاب الثاني الذي يحمل العنوان ذاته الباب على مصراعيه لمعركة فكرية جديدة، لا هدف لها سوى التساؤل.
مقارنة بين الكتابين: من يقين النصر إلى سؤال الوجود
يمكننا أن نطلق على الكتاب الأول The Battle of the Big Bang (لـ سيمون ميتون) “قصة النصر”. إنه يروي الصراع الذي انتهى بانتصار نظرية الانفجار العظيم على منافستها نظرية الحالة الثابتة. كانت روح العصر في منتصف القرن العشرين تتسم بالثقة المطلقة في المؤسسة العلمية. كان هناك نموذج مهيمن، وهو نموذج الانفجار العظيم، وقد تم دعمه بأدلة قوية مثل إشعاع الخلفية الكونية الميكروي. كان العلم في ذلك الوقت يميل إلى تقديم نفسه كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، وأن النموذج الذي ينجح في تفسير الملاحظات هو النموذج الوحيد والصحيح. لم يكن هناك الكثير من التشجيع على مساءلة الآيديولوجيات الميتافيزيقية التي قد تكون كامنة وراء تبني العلماء لنموذج دون آخر.
على النقيض تمامًا، يمثل الكتاب الأحدث Battle of the Big Bang: The New Tales of Our Cosmic Origins (لـ نايش أفشوردي وفيل هالبر) “قصة البحث المستمر”. إنه يتجاوز فكرة الانفجار العظيم كنقطة بداية، ليضعنا مباشرة في قلب الأسئلة التي لا تزال مفتوحة. إنه يعكس روح العصر الحالي الذي لم يعد فيه اليقين مقدسًا. لقد تغيرت النظرة إلى العلم، وأصبح مقبولًا جدًا التشكيك في النماذج السائدة ومساءلتها.
يمكن تلخيص التحول في روح العصر من خلال النقاط التالية:
من الأوحدية إلى التعددية: بينما ركز الكتاب الأول على انتصار نموذج واحد، يقدم الكتاب الأحدث مجموعة من النماذج البديلة مثل الكون الارتدادي والأكوان المتعددة. هذا التنوع يعكس حقيقة أننا ندرك الآن أن نظرية واحدة قد لا تكون كافية لتفسير كل شيء.
من الإذعان إلى المساءلة: لم يعد مقبولًا أن يقدم العلماء نظرياتهم كحقائق مطلقة. فالكتاب يفتح الباب للتساؤل حول ما كان قبل الانفجار العظيم، ويشجع على البحث عن إجابات خارج الإطار التقليدي.
من العلم الموضوعي إلى العلم الإنساني: يبرز الكتاب الأحدث الجانب الإنساني في العلم من خلال المقابلات الشخصية مع العلماء. يظهر كيف أن آرائهم الميتافيزيقية وتوجهاتهم الشخصية تلعب دورًا في اختياراتهم النظرية، مما يكسر الصورة النمطية للعالم كمجرد آلة منطقية.
في الختام، يُظهر لنا هذان الكتابان أن العلم ليس مجرد مجموعة من الحقائق، بل هو عملية إنسانية ديناميكية تتأثر بروح العصر. فبينما كان العلم في السابق يهدف إلى تقديم إجابة قاطعة، أصبح اليوم يهدف إلى طرح الأسئلة الصحيحة، وتوسيع حدود المعرفة، وتذكيرنا بأن الحقيقة ليست بالضرورة أوحدية.
