
ليس من المبالغة القول إنّ بعض العلماء المعاصرين خانوا جوهر العلم وهم يظنون أنهم يخدمونه. فقد ابتُليت الفيزياء النظرية، على وجه الخصوص، بنزعةٍ خطيرة إلى تأبيد النظرية، أي إسباغ صفة اللاتغيّر (invariance) على ما هو – بحكم التعريف – قابل للاختلاف والدحض. إنّ القانون العلمي قد يُعذر في ادعائه الكونية؛ فهو توصيف لانتظام كوني لا يتخلّف، في المكان كما في الزمان. أما النظرية، فإنها إن فقدت قابليتها للاختبار والنقض، لم تعد نظرية، بل صارت ميتافيزيقا متخفية في هيئة علم.
وهمُ الخلود
حين يتعامل العلماء مع النظرية وكأنها قانون، فإنهم يرفعونها إلى مقام لا تستحقه. هذا الحرص على جعل النظرية خالدة، مطلقة، غير مقيدة بزمان أو مكان، يكشف عن هاجس بشري قديم: الرغبة في الخلود. لكن الخلود ليس منطق العلم، بل منطق الأسطورة والدين والفلسفات الغيبية. العلم يعيش ويتطور بالموت المتكرر لنظرياته، لا ببقائها. من دون هذا الموت، لا يولد الجديد.
الركود المعرفي كنتاج لتأبيد النظرية
لقد دفعت هذه النزعة العلمَ إلى ما يمكن وصفه بـ الركود المعرفي (epistemic stagnation)؛ حيث تحوّلت النظريات الكبرى إلى جدران شاهقة تحجب الأفق بدل أن تكون جسوراً تفضي إلى أفق أبعد. صار كثير من العلماء حراساً لعقائد نظرية بدل أن يكونوا صُنّاع معرفة. وبذلك تحوّل العلم، في بعض تجلياته، إلى لاهوت جديد: لاهوت بلا إله، ولكن بنظريات مؤلَّهة.
عولمة المنطق وفقدان البوصلة
إنّ تحويل النظرية إلى منطق كوني مطلق يجرّدها من شرطها المعرفي الأساسي: ارتباطها بسياق زماني ومكاني محدد. وهنا يفقد العلم بوصلته؛ إذ لم يعد هناك تمييز بين ما هو قانون لا يتغير، وما هو نظرية يفترض أن يظل رهيناً بالاختبار والاختلاف. بهذا المسخ، صار العلم يتنكر لذاته، ويتخلى عن قاعدته الذهبية: أن لا شيء في حقل النظرية يُعامل على أنه مقدّس.
عودة العقلية السحرية
الطامة الكبرى أن هذه النزعة ليست سوى إعادة إنتاج لعقلية سحرية قديمة، لخّصتها العبارة الغامضة: “كما في الأعلى كذلك في الأسفل”. فكما كان السحرة يعتقدون بوجود تناظر مطلق بين مستويات الوجود، يصرّ بعض العلماء اليوم على أن نظرياتهم صالحة في كل زمان ومكان، غير مدركين أن هذا الإطلاق ليس سوى نسخة عصرية من الخرافة. إنهم لا يزالون أسرى حلم السيطرة الكونية، حتى لو اضطروا إلى تلويث العلم بروح السحر.
استعادة روح النقد
لقد آن الأوان للعلم أن يتطهّر من هذه العقلية. لا خلاص من ركوده المعرفي إلا بقتل أوهام الخلود، وإعادة النظرية إلى مقامها الطبيعي: أداة للتفسير، لا صنماً للتقديس. وما لم يستعد العلم جرأته في هدم نظرياته كما يشيدها، فسوف يتحول شيئاً فشيئاً إلى ميتافيزيقا متحجرة، تتظاهر بالعلم وهي في جوهرها سحرٌ بلسان رياضي.
