نزعة اللاتغيّر وإشكالية تأبيد النظرية العلمية

منذ أن رسّخ العلم الحديث قواعده المعرفية، جرى التمييز بدقة بين القانون العلمي والنظرية العلمية. فالقانون يصف انتظاماً كونيًّا لا يقبل الاستثناء، ويظل صالحاً في كل مكان وزمان، بينما النظرية تبقى بطبيعتها فرضية تفسيرية قابلة للاختبار والدحض (falsifiable)، مهما بلغت قوتها التفسيرية أو اتساع نطاقها. غير أن الممارسة العلمية المعاصرة تكشف عن ميل خطير لدى بعض العلماء إلى إسقاط مفهوم اللاتغيّر (invariance) على النظريات أيضاً، وكأنها ترتقي إلى مقام القانون.
هذا الخلط بين القانون والنظرية، وبين ما لا يقبل الاختلاف وما لا يقوم إلا على الاختلاف، أدى إلى نتائج معرفية خطيرة. فبدلاً من أن تبقى النظرية فضاءً مفتوحاً للاختبار والتعديل، صارت تعامل وكأنها معطى مطلق لا يحدّه زمان ولا مكان. وبذلك تحوّلت النظرية إلى قانون متنكر، فاقدةً بذلك أهم خصائصها المعرفية: القابلية للتخطئة والدحض.

نزعة التأبيد: من المعرفة إلى الجمود

إن حرص العلماء على تأبيد النظريات وإلباسها ثوب القانون لا يعكس إلا رغبة دفينة في تثبيت أفق التفسير وضمان استقراره، ولو على حساب دينامية البحث العلمي. لكن هذه النزعة لم تخدم العلم بقدر ما كبّلته؛ إذ تحوّل إلى ما يشبه حالة ركود معرفي (epistemic stagnation)، خصوصاً في مجالات الفيزياء النظرية، حيث الحاجة إلى الإبداع النظري الجديد أشد إلحاحاً من الحاجة إلى صيانة النظريات القائمة.
فالنهضة العلمية لم تُبنَ على خلود النظريات بل على تواليها: نظرية تفسح المجال لأخرى، ومع كل دحض أو تعديل تتسع الرؤية ويزداد عمق الفهم. لكن حين تتحول النظرية إلى قانونٍ في زعم أصحابها، تُغلق أبواب المراجعة وتضيق إمكانات الابتكار.

عولمة المنطق النظري وفقدان البوصلة المعرفية

لقد أدّت هذه النزعة التأبيدية إلى عولمة منطق النظرية بلا حدود مكانية أو زمانية، وهو ما أفقد العلم أحد أعمدته المعرفية الأساسية: ارتباط النظرية بسياقها المحدد. فبدلاً من أن يظل المنطق النظري خاضعاً لشروط الزمان والمكان، صار يفرض نفسه بوصفه منطقاً كونيًّا مطلقاً، يتجاهل الخصوصيات والحدود التي ينبغي أن تقيّد النظرية وتجعلها “منطقاً منطقيًّا”، أي منطقاً منتمياً إلى منطقة محددة من المكان والزمان.

من العقلية العلمية إلى العقلية السحرية

والمفارقة أن هذا الميل إلى إلغاء حدود النظرية يذكّر بما يشبه العقلية السحرية القديمة، التي لخّصتها العبارة الشهيرة: “كما في الأعلى كذلك في الأسفل” (as above, so below). هذه المقولة التي صاغتها الميتافيزيقا القديمة تقوم على فكرة التناظر المطلق بين مستويات الوجود، وهي عقلية لا مكان لها في العلم التجريبي النقدي. ومع ذلك، يبدو أن بعض العلماء المعاصرين يصرون – عن وعي أو دون وعي – على إعادة إنتاجها، حين يعممون نظرياتهم وكأنها صالحة لكل الأزمنة والأمكنة.

نحو استعادة دينامية العلم

إذا أراد العلم أن يتجاوز ركوده الراهن، فعليه أن يتحرر من هذا الهوس بتأبيد النظرية، وأن يستعيد روحه الأولى: روح النقد والتجريب والدحض. فالمعرفة العلمية لا تنمو بالخلود وإنما بالتغيّر؛ لا بالثبات وإنما بالتجدد. وحده الاعتراف بحدود النظرية، الزمانية والمكانية، يفتح المجال لإبداع بدائل جديدة، ويضمن أن يظل العلم حيًّا، نابضاً بالحركة والابتكار، بعيداً عن شبح التحول إلى ميتافيزيقا مقنّعة.

أضف تعليق