
الحال البشرية (the human condition) ظلت، عبر الفلسفة والعلم، سؤالاً يؤرق الباحثين في معنى أن يكون الإنسان كائنًا عاقلًا وفاعلًا في التاريخ. فبينما يُفترض أن التطور البيولوجي قد صاغ الكائن الإنساني وفق منطق البقاء والانتقاء الطبيعي، تكشف صفحات التاريخ عن كائنٍ خرج على هذا المنطق، كائنٍ لا يكتفي بالصراع من أجل البقاء، بل يبتدع أشكالًا من العنف والجرائم المنظمة لا عهد للطبيعة بها.
تقدّم الداروينية، ومن بعدها علم الأحياء التطوري، إطارًا لفهم نشأة الإنسان وسلوكه. لكنها، في مواجهة ظاهرة القسوة البشرية المنظمة، تبدو عاجزة عن تقديم تفسير كافٍ. فالتطور يُعلِّل الميل إلى العدوان في سياق الصراع على الموارد أو ضمان البقاء، لكنه لا يفسر الإبادة الجماعية، والحروب العقائدية، والتجويع المتعمّد، ومحو ثقافات كاملة من الوجود. هذه الظواهر تتجاوز حدود “الوظيفة البيولوجية”، لتكشف عن نزوع متأصل إلى “الخروج على الطبيعة”.
لا تكاد صفحة من صفحات التاريخ تخلو من فظاعة ارتكبها الإنسان بحق نظيره. من مذابح الاستعمار، إلى الحروب الدينية، إلى الأنظمة الشمولية الحديثة، تتكرر القصة ذاتها: إنسان يبتدع أدوات القتل، ويؤسس أنظمة للعنف، ويحوّل الآخر المختلف إلى مادة للإلغاء. اختلاف الشعوب والأعراق والأديان لم يكن سوى تنويع في المبررات، بينما ظل الفعل ثابتًا: الإبادة والتشريد والحصار والتجويع.
تكشف العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر عن بنية عميقة في الذات الإنسانية، كما عرضها بجرأة كتاب-الموسوعة Exterminate All the Brutes. هنا يتضح أن الإبادة لم تكن انحرافًا عارضًا، بل آلية متكررة لتأسيس “الحضارة”. فقد جرى القضاء على شعوب بأكملها، ليس لضرورات البقاء، بل بدافع السيطرة والهيمنة، وكأن التاريخ الإنساني برمته هو سلسلة متواصلة من الجرائم ضد الإنسانية.
إن خلاصة ما تكشفه الحال البشرية أن الإنسان، كجنس، قد أثبت بما لا يقبل الشك أنه كائن متمرّد على الطبيعة ذاتها. لم يكتف بتجاوز قوانينها، بل تواطأ ـ شعوريًا أو لا شعوريًا ـ على الخروج عليها، بما جعل شروره عصيّة على التعليل التطوري كما هي عصيّة على الشفاء الطبي. وكأن الجنس البشري هو مرض الطبيعة المزمن، أو الاستثناء القاتل في مسار التطور.
