
يذهب بعض الرافضين لنظرية التطور إلى افتراضٍ غير منطقي مؤدّاه أن الإقرار بحقيقة التطور يعني بالضرورة نفي وجود الله. يقوم هذا الافتراض على مسلّمة مسبقة مفادها أن القبول بتطور الإنسان عن أسلافٍ حيوانية يقتضي نفي تفوقه الخَلقي والخُلقي على بقية الكائنات، ومن ثمّ تسوية مرتبته بمرتبة الحيوان. وبما أن الحيوان – في نظر هؤلاء – لا وجه للمقارنة بينه وبين الإنسان، فإن الإقرار بوجود صلة قربى بينهما يُنظر إليه باعتباره تقويضًا لخصوصية الإنسان، بل وتشكيكًا في أصل فكرة الخلق الإلهي.
لكن هذه الرؤية تتجاهل مئات الأدلة العلمية التي تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك وشائج قربى تطورية بين الإنسان والحيوان. إن رفض هذه القرابة لا ينبع من معطيات علمية بل من دافع نفسي–ثقافي أساسه التعالي على الحيوان بغير وجه حق، والخوف من أن يفضي الاعتراف بالتطور إلى التشكيك في وجود الله.
ولو أن منكري التطور تحلّوا بقليل من الصبر وشيء من الانفتاح المنهجي لأدركوا أن تخوفهم ليس في محلّه. ذلك أن القبول بتطور الإنسان عن الحيوان، في ذاته، لا يحل إشكالية موقع الإنسان في الطبيعة، ولا يقدّم تفسيرًا كافيًا لتمايزه النوعي عن بقية الكائنات. فالإنسان يتميز بسمات لا تجد لها البايولوجيا التطورية تفسيرًا كاملاً، مثل عدوانيته المفرطة، وفعاليته الجنسية المنفرطة، وهشاشته المناعية التي جعلته أضعف الكائنات من حيث القدرة على مقاومة مسببات الأمراض.
إن هذه الخصائص الخارجة عن النسق البايولوجي المفترض تكشف عن قصور المقاربة التطورية الصِرفة في استيعاب مسيرة الإنسان التطورية. فهي لا تستطيع وحدها أن تفسر خروجه على قوانين الطبيعة التي التزمت بها بقية الكائنات. وهنا يتضح أن الإيمان بالتطور لا يعني نفي وجود الله، بل على العكس يفتح الباب لتأملٍ أعمق في السؤال حول موقع الإنسان الاستثنائي في الكون، وكيفية الجمع بين المعطيات البيولوجية والتأملات الميتافيزيقية.
وعليه، فإن إنكار حقيقة التطور لا يخدم الحقيقة ولا يعزز الإيمان، بل يؤدي إلى معاداة العلم الحق. أما البحث الصادق والتعلق بالمنهج العلمي الصارم فيكشف أن الإقرار بالتطور لا يلغي الفوارق الجذرية بين الإنسان والحيوان، بل يضعها في سياقٍ يجعل من الواضح أن التطور نفسه غير كافٍ لتفسير الاستثناء الإنساني. وهذا يفتح المجال أمام رؤية أكثر اتساعًا، تدمج بين معطيات العلم وأسئلة الوجود، دون أن تقع في فخ التعارض الوهمي بين التطور والإيمان بالله.
