التطور والله… لماذا الصراع مجرد وهم؟

هناك اعتقاد راسخ عند كثيرين من رافضي التطور مفاده أن قبول هذه الحقيقة يعني التخلي عن الله. للوهلة الأولى يبدو المنطق بسيطًا: إذا كان الإنسان قد تطوّر عن الحيوان، فإن تفوقه المفترض — الأخلاقي أو الخَلقي أو الروحي — ينهار، ومعه تنهار فكرة الخلق الإلهي ذاتها. لكن هذا التفكير مبني على فرضية زائفة؛ فهو يخلط بين كرامة الإنسان وعزلته البيولوجية، ويظن أن الاعتراف بقرابته مع الحيوان يعني نفي سموه وتعاليه.
واللافت أن هذا الرفض للتطور لا ينشأ من العلم بل من الكبرياء والخوف. الكبرياء، لأننا نشمئز من فكرة أننا قد نشترك في سلف واحد مع كائنات نعدّها “أدنى”. والخوف، لأننا نتوهم أن مجرد الإقرار بهذه القرابة كفيل بإزاحة الله من الأفق. غير أن الكبرياء والخوف معًا يحجبان عنا ما هو واضح أمام أعيننا: الأدلة الساحقة التي تثبت صلتنا ببقية الكائنات، مع إبقاء سؤال فرادتنا الإنسانية قائمًا بل وأكثر إلحاحًا.
والحقيقة أن قبول التطور لا ينهي لغز الإنسان. فالتطور يخبرنا كيف تشكّلت أجسادنا، لكنه يعجز عن تفسير لماذا ننفرد نحن وحدنا بعدوانية متطرفة، ورغبة جنسية لا تعرف الشبع، وهشاشة مناعية تجعلنا أضعف من كثير من أقربائنا الحيوانيين. هذه الخصائص لا تنسجم مع السرد التطوري السلس عن “المنفعة التكيفية”، بل تمثل قطيعة وخروجًا عن نظام الطبيعة المألوف، وتدعونا إلى إعادة طرح سؤال أعمق عن قصتنا كبشر.
ومن هنا، فإن رفض التطور لا يحمي الإيمان بالله، بل يفقِد العلم والدين معًا عمقهما. إنه تمسك بصورة مشوهة عن الإنسان بدل مواجهة غرابته الوجودية. أما قبول التطور بصدق، فيكشف أن لغز الإنسانية لا يتضاءل بل يتعمّق، وأن العلم ذاته لا يكفي لتفسير كيف استطاع الإنسان أن يفلت — وربما بشكل كارثي — من صرامة القوانين الطبيعية.
وهنا تكمن المفارقة: إن الذين يخشون أن يكون التطور تهديدًا للإيمان بالله يفوتهم أنه قد يكون العكس تمامًا. فقد يكون التطور هو ما يكشف أن الاستثناء الإنساني، بما لا يفسَّر بالبيولوجيا وحدها، يحتاج إلى أفق أوسع؛ أفق يجمع بين العلم والإيمان، بين العقل والدهشة، حيث لا يظهران كخصمين بل كرفيقين متوترين في رحلة بحث واحدة.

هناك اعتقاد راسخ عند كثيرين من رافضي التطور مفاده أن قبول هذه الحقيقة يعني التخلي عن الله. للوهلة الأولى يبدو المنطق بسيطًا: إذا كان الإنسان قد تطوّر عن الحيوان، فإن تفوقه المفترض — الأخلاقي أو الخَلقي أو الروحي — ينهار، ومعه تنهار فكرة الخلق الإلهي ذاتها. لكن هذا التفكير مبني على فرضية زائفة؛ فهو يخلط بين كرامة الإنسان وعزلته البيولوجية، ويظن أن الاعتراف بقرابته مع الحيوان يعني نفي سموه وتعاليه.
واللافت أن هذا الرفض للتطور لا ينشأ من العلم بل من الكبرياء والخوف. الكبرياء، لأننا نشمئز من فكرة أننا قد نشترك في سلف واحد مع كائنات نعدّها “أدنى”. والخوف، لأننا نتوهم أن مجرد الإقرار بهذه القرابة كفيل بإزاحة الله من الأفق. غير أن الكبرياء والخوف معًا يحجبان عنا ما هو واضح أمام أعيننا: الأدلة الساحقة التي تثبت صلتنا ببقية الكائنات، مع إبقاء سؤال فرادتنا الإنسانية قائمًا بل وأكثر إلحاحًا.
والحقيقة أن قبول التطور لا ينهي لغز الإنسان. فالتطور يخبرنا كيف تشكّلت أجسادنا، لكنه يعجز عن تفسير لماذا ننفرد نحن وحدنا بعدوانية متطرفة، ورغبة جنسية لا تعرف الشبع، وهشاشة مناعية تجعلنا أضعف من كثير من أقربائنا الحيوانيين. هذه الخصائص لا تنسجم مع السرد التطوري السلس عن “المنفعة التكيفية”، بل تمثل قطيعة وخروجًا عن نظام الطبيعة المألوف، وتدعونا إلى إعادة طرح سؤال أعمق عن قصتنا كبشر.
ومن هنا، فإن رفض التطور لا يحمي الإيمان بالله، بل يفقِد العلم والدين معًا عمقهما. إنه تمسك بصورة مشوهة عن الإنسان بدل مواجهة غرابته الوجودية. أما قبول التطور بصدق، فيكشف أن لغز الإنسانية لا يتضاءل بل يتعمّق، وأن العلم ذاته لا يكفي لتفسير كيف استطاع الإنسان أن يفلت — وربما بشكل كارثي — من صرامة القوانين الطبيعية.
وهنا تكمن المفارقة: إن الذين يخشون أن يكون التطور تهديدًا للإيمان بالله يفوتهم أنه قد يكون العكس تمامًا. فقد يكون التطور هو ما يكشف أن الاستثناء الإنساني، بما لا يفسَّر بالبيولوجيا وحدها، يحتاج إلى أفق أوسع؛ أفق يجمع بين العلم والإيمان، بين العقل والدهشة، حيث لا يظهران كخصمين بل كرفيقين متوترين في رحلة بحث واحدة.

أضف تعليق