
منذ فجر التاريخ، سعى الإنسان إلى رسم ملامح محددة لنفسه أمام الآخرين: ملامح الوقار أو القوة أو الهدوء أو الرحمة. غير أن الوجه الذي يحرص الإنسان على إظهاره في الحياة اليومية ليس بالضرورة هو وجهه الحقيقي. إنه قناع اجتماعي أكثر مما هو هوية أصيلة، قناع يتشكل بفعل العادات والتقاليد والقوانين والخوف من العقاب، أو حتى بفعل الوهم الذي يصنعه الإنسان عن نفسه ليتعايش مع مجتمعه.
لكن هذا القناع سرعان ما يتشقق حين تشتد الأزمات وتدلهم الخطوب. ففي لحظات الخوف العارم، أو الغضب الجارف، أو الشهوة الجامحة، يُجبر الإنسان على أن يتخلى عن كل القيود الاجتماعية وكل المخاوف من سلطة القانون، لتتفجر استجاباته كما هي: عارية من أي تزيين أو تهذيب. هنا يتجلى الوجه الحقيقي للإنسان، الوجه الذي يصدم أقرب الناس إليه، لأنه لا يخضع لبرمجة الثقافة ولا لتوقعات المحيط.
هذه اللحظة الفاصلة تكشف لنا أن الإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي محكوم بقوانين الطبيعة كما تفترضها الداروينية وما بعد الداروينية. فالتفسير التطوري قد يوضح كيف تطورت الغرائز، أو لماذا توجد ميول عدوانية أو جنسية، لكنه يعجز أمام الانفجار المفاجئ للشخصية الإنسانية في لحظة الأزمة. فالإنسان في تلك اللحظة لا يبدو حيوانًا متمدنًا، بل كيانًا آخر يتجاوز الحيوان ويعارض في سلوكه حتى الأسس الطبيعية التي قيل إنه تحدر عنها.
حين يثور الغضب في أعماق الإنسان أو يشتد خوفه إلى حد الذعر، وحين تجرفه شهوته بلا قيد، يصبح أمامنا كائن لا يمكن رده إلى الحيوان الذي كان، بل يُطلّ ككائن مفارق، عصيّ على التفسير البيولوجي الصرف. هنا يظهر الوجه الحقيقي للإنسان: وجهٌ لا يشبه ما أراد أن يقدمه للناس، ولا ما أرادت النظريات العلمية أن تُلصقه به، بل وجه يتفجر خارج القوانين، كما لو كان سرًّا محجوبًا لا ينكشف إلا في لحظة الانفلات التام.
