الوجه الحقيقي للإنسان… قراءة في حدود التفسير البيولوجي

يُظهر الإنسان في حياته اليومية وجهًا اجتماعيًا مُهذّبًا، صُنع بعناية عبر التفاعل مع الأعراف والتقاليد والقوانين. غير أن هذا الوجه الظاهر ليس بالضرورة انعكاسًا لحقيقته الكاملة، بل هو قناع يتوسط بين الذات والفرد من جهة، وبين النظام الاجتماعي والقانوني من جهة أخرى. السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: متى يظهر الوجه الحقيقي للإنسان؟ وهل يمكن للعلوم الطبيعية، ولا سيما البيولوجيا التطورية، أن تقدّم تفسيرًا مقنعًا لهذه اللحظة؟

الوجه المقنَّع والوجه الحقيقي

ما يتبدى في السلوك اليومي هو “وجه اجتماعي” تحكمه آليات الضبط الخارجي (القانون، الأعراف، الدين، الخوف من العقوبة) والضبط الداخلي (الصورة الذاتية، الوهم الشخصي بالسيطرة). لكن هذا الوجه يتصدع عندما يتعرض الإنسان لأزمات قصوى: خوف شديد، غضب عارم، أو اندفاع غرائزي لا يمكن كبته. في هذه اللحظة، تنكشف بنية أخرى للشخصية، مغايرة لما اعتاد المحيط الاجتماعي على رؤيته.

حدود التفسير التطوري

وفقًا للداروينية وما بعد الداروينية، يُفترض أن كل سلوك إنساني يمكن رده إلى جذور تطورية أو آليات بقاء. غير أن لحظة الانفجار الوجودي، حين يتجاوز الإنسان الضبط الاجتماعي بالكامل، تُظهر سلوكيات لا يمكن تفسيرها ببساطة ضمن إطار “التكيف” أو “الانتقاء الطبيعي”. فالإنسان قد يقدم في لحظة الأزمة على أفعال تدميرية، غير نفعية، أو حتى انتحارية، وهي أنماط تتعارض مع المبدأ التطوري الذي يفترض أن السلوك موجه في النهاية نحو البقاء وإعادة الإنتاج.

الأنثروبولوجيا والبعد الفلسفي

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الوجه الحقيقي للإنسان بوصفه لحظة انكشاف للطبقات الأعمق من الثقافة والبيولوجيا على حد سواء. إنه المجال الذي تتجلى فيه حدود التفسيرين معًا: البيولوجي (الذي يرد السلوك إلى الغرائز) والثقافي (الذي يرده إلى التقاليد والأنظمة الرمزية). ففي لحظة الانفلات، يتجاوز الإنسان كلًا من الحيوان الذي كان، والثقافة التي صار إليها، ليكشف عن كيان ثالث لا يمكن اختزاله في أيٍّ من المرجعين.

يضعنا الوجه الحقيقي للإنسان أمام مأزق فلسفي ومعرفي مزدوج: فمن جهة، هو يكشف عن هشاشة التفسيرات التطورية البحتة التي تعجز عن احتواء اللحظة الإنسانية في أقصى توترها. ومن جهة أخرى، يضع حدودًا أمام التصورات الثقافية والاجتماعية التي ترى في الإنسان نتاجًا خالصًا للبنية الرمزية. في النهاية، يظل “الوجه الحقيقي” للإنسان مجالًا مفتوحًا للتأمل الفلسفي والأنثروبولوجي، أكثر منه معطًى قابلاً للتفسير العلمي الصارم.

أضف تعليق