
يُظهر تاريخ الفكر الإنساني أن العقل البشري ميّال، عبر العصور، إلى تبني ما يمكن وصفه بـ البنية الثنائية في تفسير الوجود. هذه النزعة ليست مجرد ملاحظة بريئة للاختلافات الطبيعية – كالليل والنهار، أو الحياة والموت – بل تتخذ شكلًا مرضيًا مؤدلجًا حين تتحوّل إلى إطار كوني شامل، يُسقِط على العالم كله منطق الأضداد المطلقة.
في الموروث الزرادشتي، وخصوصًا في المانوية، نجد أوضح الأمثلة على هذا الهوس: فالخير مُمثَّل في “إله النور”، والشر مُمثَّل في “إله الظلام”، وكلاهما قوتان أزليتان متعادلتان تخوضان صراعًا أبديًا حتى ينتصر الخير في النهاية. هذا التصور – برغم اختلاف صياغاته – تسلّل إلى الغنوصية، كما تسرّب إلى اللاهوت المسيحي الوسيط في بعض تمثلاته، وجعل من الشر كيانًا مفارقًا، له حضور موضوعي مستقل يوازي الخير.
من الناحية الفلسفية، أعاد هيغل صياغة هذه الثنائية على نحو جدلي؛ فـ”الجدل” الهيغلي يقوم على صراع الأضداد (الأطروحة ونقيضها) الذي يولّد مركّبًا أعلى. ورغم الطابع العقلاني لهذا التصور، فإنه حافظ على الهيكل الثنائي للصراع بوصفه محرّك التاريخ. وبذلك ظلّ منطق الثنائية حاكمًا للفكر، حتى في لحظاته الأكثر عقلانية.
المشكلة في هذا المنطق أنه يؤدي إلى تأليه الشر: فالشر لم يعد مجرد نقص أو انحراف، بل قوة أصيلة وضرورية لوجود الخير نفسه. ومن هنا انبثق الاعتقاد بأن توازن الكون لا يتحقق إلا بوجود الشر، وبأن الصراع بين الخير والشر قدر لا مفرّ منه. هذا التصور، برغم أنه يقدّم تفسيرًا ميتافيزيقيًا “مريحًا”، إلا أنه يُنتج عجزًا أخلاقيًا: إذ يضع الإنسان في مواجهة معركة أبدية لا دور له سوى الانخراط فيها، ويُسقط مسؤوليته عن إنتاج الشر بوصفه فعلاً بشريًا.
يأتي الخطاب القرآني ليعيد صياغة المسألة من جذورها. فهو لا يمنح الشر صفة الوجود الكوني الأزلي، بل يحصره في نطاق الأرض وحدها، ويربط ظهوره بظهور الإنسان ذاته. فالملائكة حين اعترضت على خلق الإنسان، لم تقل إنه سيُدخل الشر إلى السماوات أو إلى الكون كله، بل ربطت مخاوفها بـ”الفساد في الأرض وسفك الدماء”. هذا التحديد الدقيق يُفكك الأسطرة المانوية والغنوصية، ويكشف أن الشر ليس كيانًا مفارقًا بل نتاج تاريخي لإرادة الإنسان.
بهذا التصور، يصبح الخير هو الأصل والقاعدة الكونية، بينما الشر طارئ، محليّ، وزائل بزوال الإنسان إذا لم يقم بمهمته في الاستخلاف. العالم في جوهره مطبوع على الانسجام والخير، وما عداه من فساد وشر إنما هو فعل بشري عارض.
يمكن القول إن الموقف القرآني يمثّل إزاحة إبستمولوجية بالمعنى الفلسفي: فهو يحرر الفكر من أسر الثنائيات المطلقة، ويعيد المسؤولية الأخلاقية إلى الإنسان، بعد أن كانت مطموسة تحت وهم الصراع الأبدي بين قوى متعادلة. فالخير لا يحتاج إلى الشر ليُبرَّر، والعالم لا يقوم على توازن الأضداد بل على أصل الخير الذي يغمر الوجود.
إذا كان تاريخ الفكر قد ألحّ على الثنائية كأداة للفهم، فإن الخطاب القرآني يقدّم منظورًا بديلًا: أن الشر ليس مبدأً كونيًا، بل أثر إنساني يمكن تجاوزه. ومن هنا، يمكن للأنثروبولوجيا الحديثة أن تجد في القرآن أساسًا لإعادة التفكير في ظاهرة الشر، ليس بوصفها بنية كونية بل كنتاج ثقافي/تاريخي للإنسان وحده.
بهذه المقارنات، يتضح أن القرآن لا يقدّم فقط ردًا لاهوتيًا، بل أيضًا نقدًا فلسفيًا جذريًا لإحدى أقدم النزعات في تاريخ الوعي البشري: النزعة الثنائية المؤدلجة.
