متلازمة الأب رجل المافيا… مقاربة في التناقض البنيوي للشعور الإنساني

تسعى العلوم الإنسانية والاجتماعية منذ عقود إلى تفسير المفارقات الكامنة في السلوك الإنساني، خصوصًا تلك التي تجمع بين مستويات متناقضة من العاطفة والعنف داخل الفرد الواحد. في هذا السياق، نقترح نحت مصطلح جديد هو “متلازمة الأب رجل المافيا” (The Mafioso Dad Syndrome)، بوصفه إطارًا تحليليًا لتوصيف حالة وجدانية وسلوكية يتسم بها الإنسان تاريخيًا وحاضرًا، وتقوم على اجتماع الحنان المفرط والقسوة المفرطة في ذات واحدة.
تشير هذه المتلازمة إلى النمط الشعوري والسلوكي الذي يتجلى فيه الفرد بصورة مزدوجة:
الأب الحامي العطوف: حيث تتجسد أعلى درجات التفاني في حماية الأسرة المباشرة، إلى حد الاستعداد للتضحية بالحياة دفاعًا عنها.
رجل المافيا القاسي: حيث ينقلب ذلك الحنان إلى بطش شديد تجاه “الآخر المختلف”، خصوصًا في سياقات الصراع، بما يشمل قتل المدنيين والتنكيل بالضعفاء دون تردد.
بهذا المعنى، فإن المتلازمة تصف ثنائية شعورية متأصلة تتجاوز الحالات الفردية لتصبح سمة متكررة في الخبرة الإنسانية.

الأساس الأنثروبولوجي والتاريخي

تؤكد الشواهد التاريخية والأنثروبولوجية أن هذا النمط ليس استثناءً:
في المجتمعات القبلية القديمة، نجد أن المدافع عن عشيرته ببسالة هو ذاته الذي يشارك في إبادة جماعات أخرى بكاملها.
في سياقات حديثة، مثل شبكات المافيا، يظهر التناقض في صورة القائد الذي يغدق الحنان على أسرته بينما يمارس أقصى درجات البطش ضد خصومه.
في الحروب النظامية، تكررت حالات مشابهة حيث يحمي الجندي أبناءه أو قريته بنفس القدر الذي يشارك فيه في مجازر ضد مدنيين في مجتمعات أخرى.
هذه الأمثلة، المتعالية على الزمان والمكان، تكشف أن المتلازمة بنية عامة لا تنحصر في ثقافة أو دين أو عرق بعينه.

إشكالية التفسير التطوري

تحاول البيولوجيا التطورية تفسير السلوك الإنساني عبر آليات البقاء وحفظ الجينات. وفق هذا الإطار، يمكن فهم الحماية المطلقة للأسرة المباشرة باعتبارها امتدادًا لآليات “الانتخاب الطبيعي”. غير أن الوجه الآخر للمتلازمة — أي القسوة المفرطة على “الآخر غير المقاتل” — يضع هذا التفسير في مأزق:
إذ لا يحقق قتل المدنيين أو التنكيل بالضعفاء منفعة تطورية مباشرة، بل قد يؤدي إلى تصعيد الصراع واستدعاء الانتقام.
هذا السلوك لا يُفسَّر بالكامل بمفاهيم مثل “التحالفات” أو “الانحياز للمجموعة” (ingroup bias)، لأنه يتجاوز مقتضيات الدفاع إلى ممارسة عنف غير مبرر وظيفيًا.
ومن ثم، فإن المتلازمة تكشف حدود المقاربة الاختزالية في علم النفس التطوري وتدعو إلى التفكير في عوامل ثقافية ورمزية وأخلاقية إضافية.

ثنائية الداخل/الخارج: تكشف المتلازمة عن بنية إدراكية تجعل من العاطفة الأخلاقية انتقائية، بحيث تُمارَس الرحمة على الداخل ويُشرعن العنف على الخارج.
المعضلة الأخلاقية: تفنّد المتلازمة الخطاب المثالي الذي يتحدث عن “إنسانية شاملة”، إذ تبرز التوتر بين حبّ خاص مفرط وكراهية عامة مفرطة.
الهوية المشروطة: تشير المتلازمة إلى أن الهوية الإنسانية، في وعي الفرد، ليست مطلقة بل مشروطة بالانتماء؛ فهي ما يمنح الآخر صفة “المستحق للعطف” أو “المستباح”.
إن “متلازمة الأب رجل المافيا” تمثل محاولة لإعادة توصيف أحد التناقضات المركزية في الطبيعة الإنسانية، بما يتجاوز التفسيرات التبسيطية للعلم التطوري أو الأخلاق المثالية. فهي تقدم نموذجًا يفسر كيف يمكن للإنسان أن يجمع، في ذات واحدة، بين ذروة الحنان وذروة القسوة، وأن هذا التناقض ليس خللاً عارضًا بل جزءًا من بنيته الشعورية. إن استيعاب هذه المتلازمة قد يسهم في تطوير فهم أكثر تركيبًا للإنسان، عند تقاطع البيولوجيا مع الثقافة والأخلاق والفلسفة.

أضف تعليق