
المفارقة الكامنة في الطبيعة الإنسانية
تكشف متلازمة “الأب رجل المافيا” عن تناقض بنيوي في الطبيعة الإنسانية: اجتماع الحب والحنان مع العنف والبطش في ذات الفرد الواحد. فهي لا تصف مجرد ظاهرة اجتماعية أو سلوك شاذ، بل تمثل مرآة لعمق الازدواجية التي يحملها الإنسان منذ نشأته. هذه الازدواجية تكاد تكون عصيّة على التفسير في إطار النظريات التبسيطية، سواء أكانت داروينية أم سلوكية، لأنها تتطلب تبريراً لتعايش نزعتين متعارضتين جوهرياً داخل الكيان الواحد.
الدلالة التطورية للمتلازمة
إذا أخذنا هذه المتلازمة بوصفها نافذة إلى الماضي التطوري، فإنها تشير إلى أن مسيرة الإنسان لم تكن خطية، بل مرت بمنعطف حاسم. هذا المنعطف لم يُكتشف بعد من قبل البيولوجيا التطورية، وهو يفسّر لماذا لا تكفي آليات “الانتخاب الطبيعي” أو “التكيّف” لتفسير القفزة النوعية التي جعلت الإنسان يجمع بين الرقة والبطش، بين السمو الأخلاقي والانحطاط الوحشي.
ضرورة الإقرار بالمنعطف التطوري
إن تحليل هذه الظاهرة يحتم علينا الاعتراف بوجود لحظة فاصلة في التاريخ التطوري للإنسان: لحظة لم تكن امتداداً طبيعياً للانتقاء البيولوجي، بل تدخلت فيها عوامل أعمق أثّرت في البنية الوظيفية للإنسان. هذه اللحظة تمثل “انقطاعاً” أو “قفزة” لا يمكن ردمها بأدوات البيولوجيا وحدها.
السردية القرآنية كإطار مفسر
هنا يفرض النص القرآني نفسه بوصفه سردية قادرة على تفسير هذا المنعطف. فالقرآن يحدثنا عن واقعة “الأكل من الشجرة”، التي لم تكن مجرد حادثة رمزية أخلاقية، بل مثلت تحوّلاً جذرياً في الكيان الإنساني. الأكل من الشجرة لم يكن مجرد عصيان، بل حدثاً أدى إلى تبدّل في البنية الوظيفية للإنسان، وترك فيه خللاً وجودياً لازمه منذ ذلك الحين. وبهذا المعنى، فإن متلازمة الأب رجل المافيا ما هي إلا تجلٍّ حديث لذاك الخلل البنيوي الذي نشأ عند المنعطف الأول.
ما تفرضه علينا هذه القراءة
إن تبني هذا التحليل يقودنا إلى استنتاج لا مفر منه: أن الإصلاح لا يتم عبر منطق الانتقاء الطبيعي ولا عبر تحسين السلوك الاجتماعي وحده، بل عبر العودة إلى الهدي الإلهي الذي وحده يستطيع أن يرمم ما اختل في بنية الإنسان الوظيفية. ذلك أن الخلل لم يكن عرضياً بل نتاجاً لمنعطف تطوري أساسي نجم عن الأكل من الشجرة. ومن ثم فإن السعي لمعالجة هذا الخلل لا يكتمل إلا باتباع التوجيه الإلهي الذي يعيد للإنسان اتزانه الأصلي.
بهذا المعنى، فإن “متلازمة الأب رجل المافيا” ليست مجرد توصيف لحالة اجتماعية أو سيكولوجية، بل هي أثرٌ متبقٍ من منعطف تطوري أصاب الإنسان في لحظة تأسيسية. وهي تؤكد أن السردية القرآنية ليست مجرد وعظ ديني، بل تفسير أنطولوجي عميق لمسار الوجود الإنساني، يكشف ما عجزت عنه البيولوجيا التطورية، ويضعنا أمام خيار وحيد: إعادة بناء الإنسان عبر العودة إلى مصدر هدايته الأول.
