التناقضية الإنسانية…. حدود السردية التطورية وإمكانات التفسير البديل

منذ نشوء نظرية التطور الداروينية وتفرعاتها، برزت محاولة منهجية لردّ جميع السمات السلوكية والوجدانية في الكائنات الحية إلى منافع تطورية قابلة للتعليل. فالعدوانية جرى تفسيرها كآلية دفاعية، والتعاون كوسيلة للبقاء الجماعي، وحتى العواطف الأساسية كالحب والغيرة عُدّت امتداداتٍ لوظائف بيولوجية تخدم غاية البقاء والتكاثر. هذه الرؤية حققت نجاحاً نسبياً في تفسير طيف واسع من الظواهر الحيوانية والإنسانية على السواء.
غير أنّ ثمة سمة مركزية في الكائن البشري تُظهر حدود هذه المقاربة: التناقضية الشعورية والفكرية. فالإنسان يمتاز عن الحيوان بقدرته على احتضان أضداد شعورية وسلوكية في آن واحد: الرحمة والقسوة، الحب والكراهية، الإقدام والإحجام، القبول والرفض. هذه المتقابلات لا تظهر في صورة تتابعية، بل قد تتجاور داخل الفرد نفسه، لتولد حالة من التردد والانقسام والتمزق الداخلي.
في المقابل، لا نجد عند الحيوان أثراً لبنية شعورية مماثلة؛ فسلوكه يتسم بالانسجام الوظيفي بين الدافع والاستجابة، بما يجعل اتخاذ القرار أكثر مباشرة ووضوحاً. هذا الغياب للتمزق الداخلي عند الحيوان يحرم المقاربة التطورية من مرجع يمكن أن تُردّ إليه التناقضية الإنسانية باعتبارها “سمة مطوَّرة” عن أصل بدائي.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما المنفعة التطورية لهذه التناقضية؟
وفق المنطق الانتقائي، يفترض أن تعزز السمات فرص البقاء والتكاثر. لكن التناقضية كثيراً ما تعيق الحسم، وتعرقل الفعل، وتؤدي إلى صراع داخلي قد يُضعف التكيف. إن محاولات ردّها إلى “مرونة تكيفية” أو “قدرة على الموازنة بين استراتيجيات متعارضة” تبدو قاصرة عن تفسير شدتها وعمق حضورها في التجربة الإنسانية. وهذا يكشف أن ثمة حدوداً جوهرية في قدرة البيولوجيا التطورية على تفسير جميع أبعاد الظاهرة الإنسانية.
أمام هذا العجز، يظل الحقل مفتوحاً أمام مقاربات بديلة أو موازية – فلسفية أو دينية أو أنثروبولوجية – تحاول فهم التناقضية بوصفها بعداً تأسيسياً في الوجود الإنساني، لا مجرد عرض جانبي أو خطأ تطوري. فبينما ترى السردية التطورية أن السلوك البشري نتاج ضغوط بيئية وانتقاء طبيعي، يمكن لسرديات أخرى أن تعتبر التناقضية شرطاً أنطولوجياً للحرية والمسؤولية، أو بعداً بنيوياً لتجربة الإنسان في الوجود.
وبذلك، لا يُقوِّض عجز المقاربة التطورية مشروعها العلمي فحسب، بل يدفع إلى إعادة التفكير في تعددية التفسيرات الممكنة، حيث تتقاطع الأبعاد البيولوجية مع الدينية والفلسفية لفهم ظاهرة لا تختزل في منطق البقاء وحده.

أضف تعليق