
منذ أن شاعت الداروينية كإطار شامل لتفسير الكائن الحي، بدا وكأن البيولوجيا التطورية تملك مفاتيح الفهم لكل ما يتصل بالسلوك والمشاعر والوظائف. فكل نزعة عند الحيوان أو الإنسان يمكن ـ وفق هذه الرؤية ـ أن تُردّ إلى منفعة تطورية خفية: ما يعزز البقاء أو يرفع كفاءة التكاثر أو يحمي النوع من الانقراض. هذه الرؤية منحت التطور سلطة تفسيرية شبه مطلقة، حتى بدا وكأنه “العلة الكافية” لكل شيء.
غير أنّ الإنسان، بتناقضاته، يضع هذه السردية على المحك. فبينما يُظهر الحيوان انسجاماً بين الدافع والاستجابة، لا يعرف الكائن البشري هذا الانسجام، بل يعيش انقساماً داخلياً مزمناً: يرحم ويقسو، يحب ويكره، يُقدِم ويحجم، يقبل ويرفض. وما هو أعمق من ذلك أن هذه الأضداد لا تتعاقب فحسب، بل قد تتجاور في اللحظة ذاتها داخل الوعي الواحد، مولِّدةً حيرة وتمزقاً وتردداً.
من زاوية التطور، تبدو هذه “التناقضية” لغزاً. فأي منفعة تطورية تُجنى من الحيرة والتردد والانقسام الداخلي؟ كيف يُفسَّر منطقياً أن يكون الكائن الأرقى أكثر عرضة للعجز عن الحسم، في حين أن الحيوان ـ الأقل تعقيداً ـ أكثر مباشرة ووضوحاً؟ هنا تفتقر السردية التطورية إلى مرجع أو أصل يمكن أن تُرد إليه هذه الظاهرة. فليس ثمة أثر عند الحيوان لما يمكن اعتباره “النواة البدائية” التي تطورت عنها تناقضية الإنسان.
ولأن التطور عوّدنا أن نفسره بمنطق البقاء، فإن غياب المنفعة المباشرة يفتح فجوة معرفية لا سبيل لردمها داخله. عند هذه النقطة تبرز السردية القرآنية باعتبارها تقدم مفتاحاً آخر للفهم. فوفق القرآن، لم تنشأ التناقضية من آلية بيولوجية صامتة، بل من حدث مفصلي: أكل آدم من الشجرة، ومن ثم هبوطه إلى عالم مشروط بالشقاء والصراع. {فَتَشْقَىٰ} ليست وصفاً لحياة مادية فحسب، بل لحالة وجودية يُبتلى فيها الإنسان بصراع داخلي لا يعرف الحيوان له نظيراً.
وبينما ترى الداروينية في هذه التناقضية خللاً تفسيرياً أو لغزاً عالقاً، يمنحها القرآن معنى وجودياً: إنها ليست عبثاً ولا خطأً، بل شرطاً أنطولوجياً للحرية والمسؤولية. فالإنسان لا يمتحَن إلا لأنه يحمل بذور التناقض في داخله، ولا يُطلب منه الهداية إلا لأنه يعيش صراعاً بين أضداد تتجاذبه. وهكذا، حيث تعجز البيولوجيا التطورية عن التفسير، يكشف النص القرآني عن أفق آخر للفهم، يجعل من التناقضية علامة على فرادة الإنسان لا على نقصه.
إن المفارقة بين السرديتين تكمن في أن التطورية تحاول اختزال الإنسان في “نتيجة” لصيرورة عمياء، بينما يُصر القرآن على تعريفه بوصفه “كائناً مكلّفاً” يعيش في قلب صراع وجودي. وفي هذا التناقض بين التفسيرين يتجلى ما يمكن اعتباره أحد أكبر التحديات الفكرية المعاصرة: هل نقرأ الإنسان بعيون التطور وحده، أم نمنحه ـ كما يفعل النص القرآني ـ مقام الكائن الحر الذي لا تُختزل تناقضاته في معادلة للبقاء؟
