الطموحُ القاتل… حين تتجاوزُ النظريةُ حدودَها!


فرحةُ العالِم حين يكتشف قانوناً من قوانينِ العالَم أقلُّ بكثيرٍ من فرحتِه حين ينجحُ في صياغةِ نظريةٍ تستوعبُ هذا القانون ضمن سياقٍ نظري متكامل يقدِّمُ تصوراً لهذا العالَم يجعله يبدو أكثر منطقيةً ومعقولية. ومن هنا نفهم حرصَ العالِمِ على أن تبقى نظريتُه صالحةً لكلِّ زمانٍ ومكان صلاحَ قوانينِ العِلمِ التي لا اختلافَ بين العلماءِ على شموليتِها وصحتِها وتعاليها على الزمانِ والمكان. وخيرُ مثالٍ على هذا الحرصِ من جانبِ العلماء على جعلِ نظرياتِهم تتصفُ بما تمتازُ به قوانينُ العِلم من استعصاءٍ على الاختلافِ باختلافِ المكانِ والزمان Invariance، هو النظرية الداروينية التي صاغها داروين بكيفيةٍ توهم أنَّ بوسعِها أن تجعلَ نظريتَه هذه قانوناً عِلمياً يتصفُ بما تتصفُ به قوانينُ العِلم من استعصاءٍ على الاختلاف وثبات.
وبذلك فلقد جاوز داروين بنظريتِه هذه الحدودَ المعرفيةَ التي يتوجبُ على كلِّ نظرية ألا تتعداها. والمفارقةُ هنا هي أنَّ داروين كان ليحوزَ شرفَ السبق في توثيقِه المنهجي العِلمي لكمٍّ غزيرٍ من المعلومات التي تضطرُّ كلَّ مَن يتدبَّرُها بعقلٍ موضوعيٍّ منطقي لأن يخلصَ إلى أنَّ التطورَ حقيقةٌ من حقائقِ هذا العالَم لا تقلُّ حقيقيةً عن ظاهرةِ التمثيلِ الضوئي في عالَمِ النبات. غيرَ أنه، وبسببٍ من حرصِه على أن تصبحَ نظريتُه قانوناً عِلمياً، أخذ يعللُ للتطورِ البشري بدلالةٍ من كونِ الإنسان يشاركُ الحيوانَ الأصلَ الطبيعي ذاته. ولقد نجم عن هذا الإصرار على كونِ الإنسان كائناً طبيعياً، كما الحيوان، أن تبيَّن عجزُ الداروينية، وغيرِها من المقاربات التفسيرية التي شكلت البايولوجيا التطورية، عن التعليلِ للتعقيدِ التطوري الذي يمثلُه الإنسان بتناشزِه الصارخ مع سلفِه الحيوان.
فماذا كان يضيرُ داروين لو أنه اكتفى بإنجازاتِه المعرفيةِ القائمة على الملاحظةِ المنهجيةِ الصارمة، والتتبع ِالاستقصائي غيرِ المنحاز، والتوثيقِ الموضوعي الدؤوب لكافةِ الوقائعِ والأحداثِ والظواهرِ التي فات غيرَه أن يلتفتَ إليها ويواظبَ على ملاحظتِها والمقارنةِ بينها حتى تأتى له أن يضعَ كتاباً هو بحقٍّ من الإنجازاتِ المعرفية التي كان لها أبلغُ الأثر في الارتقاءِ بمقاربتِنا للإنسان من خرافاتِ التعظيم لاستثنائيتِه المزعومة إلى حقيقةِ كونِه ذا ماضٍ حيواني لا جدالَ في تطورِه عنه.

أضف تعليق