
في حياتنا اليومية، نرتدي جميعًا أقنعة. بعضها شفاف، والبعض الآخر سميك ومُصمَّم بعناية فائقة. هذه الأقنعة ليست زائفة بالضرورة، بل هي جزء من هويتنا الاجتماعية، تُظهر ما نود أن يراه الآخرون فينا: شخص مهذب، محترف، أو صديق ودود. لكن هل هذا هو الوجه الحقيقي للإنسان؟ هل ما نراه في النور هو نفسه ما يختبئ في الظلال؟
الإجابة، غالبًا ما تكون “لا”. فما نراه هو نسخة منقّحة، مُعدّلة، ومُصقولة بعناية لتتناسب مع القواعد الاجتماعية والأعراف. إنه وجه يحرص على كسب القبول وتجنب النقد، وجه تُشكّله آمالنا وتخوفاتنا.
لحظة الكشف: حين تشتد الأزمات
لكن هذا القناع لا يدوم إلى الأبد. ففي لحظات الأزمات الكبرى، حين تشتد الخطوب وتدلهمّ الأوضاع، تُسدل الأقنعة وتتساقط الستائر. عندها، يُجبر الإنسان على مواجهة واقعه الذي كان يخشاه، وتُفرض عليه ردود أفعال تخرج عن سيطرته المامة. قد تكون هذه الردود صادمة لمن حوله، لأنها تكشف عن جوهر لم يظهره من قبل.
في هذه اللحظات، يتحرر الإنسان من قيوده الاجتماعية، وأوهامه الذاتية، وحتى من خوفه من سلطة القانون. يتلاشى الاهتمام بالصورة الخارجية، وتتوارى الرغبة في إرضاء الآخرين، ليبرز وجهه الحقيقي بكل ما فيه من ضعف وقوة، خير وشر، عقلانية وجنون.
مفارقة الوجود: ما بعد التطور البيولوجي
هذا الوجه الحقيقي هو لغز محيّر. كيف يمكن لنفس الإنسان الذي كان بالأمس القريب كائنًا متوافقًا مع قوانين الطبيعة، أن يتحول فجأة إلى كيان آخر لا يخضع لتلك القوانين؟ إن الإنسان الذي يخرج به غضبه العارم، أو خوفه الشديد، أو شهوته الجامحة، لا يمكن تفسيره بسهولة ضمن سياق التطور البيولوجي.
نظرية التطور الداروينية وما بعدها، على الرغم من عُمقها وقدرتها على تفسير الكثير من سلوكياتنا ككائنات حية، قد تقف عاجزة أمام هذا التحوّل المفاجئ. فالإنسان في لحظات انكشاف وجهه الحقيقي لا يبدو كنسخة مُطوَّرة من حيوان، بل يبدو ككائن فريد، تتداخل فيه العاطفة مع الغريزة، والوعي مع اللاوعي، بطريقة لا تخضع لتفسير منطقي بحت.
ربما يكمن الوجه الحقيقي للإنسان في هذه المفارقة بالذات: القدرة على أن نكون أكثر من مجرد نتاج للتطور، أن نتجاوز قوانين الطبيعة التي نشأنا فيها، وأن نكشف عن كيان معقد، فريد، وغامض، لا يتجلى إلا عندما تشتد الأزمات وتُسقط الأقنعة.
دعوة للتفكير
لعل هذا ما يجعل الإنسانية محطًا للتساؤل الدائم. هل نجرؤ على النظر إلى هذا الوجه، في أنفسنا وفي الآخرين، دون خوف أو حكم؟ وهل يمكننا أن نتعلم كيف نتعايش مع هذا التعقيد، بدلًا من الهروب منه؟
