
لطالما اعتُبر العلم، في جوهره، سعيًا حثيثًا نحو فهم الكون من حولنا، مدفوعًا بمبدأ أساسي هو القابلية للدحض (Falsifiability). هذا المبدأ، الذي صاغه الفيلسوف كارل بوبر، يضع خطًا فاصلًا حاسمًا بين القانون العلمي والنظرية العلمية. فالقانون العلمي يصف ظاهرة طبيعية بشكل ثابت ومُطلق، لا يتغير بتغير الزمان أو المكان. إنه يجسد مفهوم اللا-اختلاف (invariance) بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فقانون الجاذبية، على سبيل المثال، يعمل بنفس الطريقة هنا والآن، كما عمل في أي مكان وزمان آخرين.
على النقيض من ذلك، فإن النظرية العلمية هي إطار تفسيري، محاولة لتفسير “لماذا” تحدث هذه الظواهر. وبحكم تعريفها، يجب أن تكون قابلة للاختبار، وبالتالي قابلة للدحض. أي أنه يجب أن يكون بالإمكان إثبات خطئها من خلال الملاحظة أو التجربة. هذا هو المحرك الحقيقي للتقدم العلمي؛ فعندما تُدحض نظرية ما، يفتح الباب أمام نظريات جديدة أكثر دقة وقدرة على تفسير الواقع.
الهوس بتأبيد النظرية: إشكالية “اللا-اختلاف”
ما نشهده اليوم، وخاصة في مجال الفيزياء النظرية، هو نزعة خطيرة لإضفاء صفة “اللا-اختلاف” على النظريات العلمية. يسعى بعض العلماء، مدفوعين بالرغبة في تأبيد نظرياتهم وتخليدها، إلى معاملتها كالقوانين العلمية، متجاوزين بذلك حدودها المكانية والزمانية. هذا الهوس بتعميم النظريات وتطبيقها في كل مكان وزمان، على مبدأ “كما هو الحال في الأعلى، كذلك هو الحال في الأسفل” (as above so below)، هو عقلية سحرية تقوض الأساس المعرفي للعلم الحديث.
هذه النزعة، التي يمكن وصفها بـ”التعميم الكوني”، أدت إلى حالة من الركود المعرفي (epistemic stagnation). فبدلًا من أن يكون العلم ساحة للتنافس والإبداع، حيث تُقدم نظريات جديدة وتُختبر باستمرار، تحولت إلى حالة من الجمود الفكري، حيث تُحاط النظريات القائمة بهالة من القدسية، وتُصبح مقاومة للتغيير أو الدحض.
فقدان البوصلة المعرفية: “المنطق المنطَقي” المفقود
إن أحد أهم أركان المنهج العلمي هو أن كل نظرية يجب أن يكون لها نطاق صلاحية محدد. بمعنى آخر، يجب أن تكون محددة بزمان ومكان معينين، وهو ما يمكن وصفه بـ”المنطق المنطَقي” (contextual logic)؛ أي المنطق المقيّد بـ”منطقة” معينة من الزمان والمكان. التخلي عن هذا المبدأ، وجعل منطق النظرية بلا حدود مكانية أو زمانية، أدى إلى فقدان العلم لبوصته المعرفية. لقد أصبحنا نعيش في عالم من النظريات الكونية الكبرى، التي يصعب اختبارها أو دحضها، مما يعيق بشكل فعال أي تقدم حقيقي.
إذا أراد العلم النظري المعاصر أن يتجاوز ركوده الحالي، فعليه أن يتخلى عن هذه النزعة الخطيرة. يجب أن نعود إلى جوهر العلم كعملية ديناميكية، تتجدد باستمرار من خلال تقديم نظريات جديدة، واختبارها بصرامة، وتقبل حقيقة أن بعضها سيُدحض. فقط عندما ندرك أن النظريات ليست حقائق مطلقة، وأنها قابلة للتغير والاختلاف، يمكننا أن نفتح آفاقًا جديدة للمعرفة ونستعيد روح الإبداع التي فقدناها.
