
في زمن تتسارع فيه وتيرة الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، يطرح كتاب
” The Ideological Brain”
“الدماغ المؤدلج” للدكتورة ليور زميغرود أسئلة جوهرية حول الكيفية التي تتحول بها أدمغتنا إلى حاضنة للأفكار المتطرفة. فبينما يرى البعض أن التطرف مجرد نتيجة حتمية لتعرض الأفراد للخطابات المؤدلجة، يقدم الكتاب رؤى عميقة تربط بين الأيديولوجيا والبيولوجيا العصبية. لكن هل حقاً يختزل التطرف في مجرد استجابة بيولوجية عفوية؟ أم أن هناك عاملاً حاسماً يغفل عنه الكثيرون، ألا وهو الإرادة الحرة؟
وهم الحتمية البيولوجية
يشير الكتاب إلى أن الأفراد الذين يميلون إلى “الجمود المعرفي” أو أولئك الذين يعانون من تضخم في اللوزة الدماغية (Amygdala) هم الأكثر عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة. ولكن، من الضروري أن ندرك أن هذه العوامل البيولوجية ليست سبباً مباشراً للتطرف، بل هي نتيجة له. فالإنسان يختار بإرادته الحرة أن يستمع إلى الخطابات المؤدلجة ويتفاعل معها، وهذا الاختيار الواعي هو ما يُطلق العنان للتغيرات البيولوجية في الدماغ.
فليس تضخم اللوزة الدماغية هو ما يجعل الفرد يتجه نحو التطرف، بل على العكس، إن الانغماس في الأفكار التي تغذي الخوف والكراهية هو ما يؤدي إلى تضخمها. إنها حلقة مفرغة، حيث يغذي السلوك الأيديولوجي التغيرات العصبية، التي بدورها تدفع الفرد إلى المزيد من الانجذاب نحو هذه الأفكار، مما يخلق حالة من الإدمان على التطرف.
الشيطان يدعو ونحن نستجيب
لفهم هذه العلاقة المعقدة بين المبرمج (المؤدلِج) والبرنامج (المؤدلَج)، لا يوجد مثال أبلغ من قول الله تعالى في سورة إبراهيم: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}. هذه الآية الكريمة تلخص بوضوح أن الشيطان لم يملك سلطاناً حتمياً على البشر، بل كان دوره مقتصراً على “الدعوة”، فيما كانت “الاستجابة” قراراً واعياً نابعاً من إرادتهم.
وينطبق هذا المفهوم على الأدلجة الحديثة. فالخطابات المؤدلجة لا تملك سلطة قهرية على العقل البشري. إنها مجرد دعوات أو حوافز، يختار الإنسان أن يستمع إليها ويتفاعل معها. فمن يتخذ من هذه الخطابات مرجعاً لسلوكه وأفعاله، يختار بإرادته أن يُهيمن التطرف على منظومته النفسية-العصبية، ليصبح بذلك مؤدلجاً لا يرى سبيلاً آخر.
نحو حصانة ذاتية: تنمية الإرادة المستقلة
إذا كان التطرف اختياراً، فإن مقاومته هي أيضاً قرار. السبيل الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة هو تنمية إرادة حرة مستقلة، قادرة على التمييز بين الدعوة والاستجابة. هذه الإرادة ليست قوة سلبية أو منفعلة، بل هي آلية حصانة ذاتية قادرة على فرز الأفكار، ورفض ما يتعارض مع القيم الأساسية للإنسانية.
إن مفتاح الخلاص من قبضة الأفكار المتطرفة يكمن في استعادة الوعي. علينا أن نتعلم كيف نكون أحراراً في التفكير، لا مجرد مستهلكين للخطابات المؤدلجة. فبدلاً من لوم المؤدلِجين، حري بنا أن نلوم أنفسنا على الاستجابة. هذه هي بداية الطريق نحو استعادة السيطرة على أدمغتنا، وتحويلها من سجن للأيديولوجيا إلى فضاء للحرية والوعي.
