الدماغ البشري بين التشريح والسر المستعصي

منذ أن بدأ الإنسان يشرّح جسده بحثًا عن سرّ وعيه وعبقريته، ظلّ الدماغ البشري أكثر الأعضاء استعصاءً على الفهم. فكل محاولة لحل ألغاز هذا العضو الفريد بالاعتماد على تشريحه وحده باءت بالفشل، وذلك لأن الدماغ لا يعمل وفق بنيته التشريحية المجردة، بل عبر ما تتيحه هذه البنية من وسائط تُجرى خلالها عمليات فائقة التعقيد تتجاوز أي توصيف تشريحي بسيط.
إن الخلايا العصبية، والوصلات التشابكية، والطبقات القشرية، ليست سوى مادة وسيطة تحتضن منظومات بايوإلكترونية تعمل في تفاعل متواصل يَصعُب — بل يستحيل — رصده أو ضبطه بمعايير المعرفة البشرية الحالية. إن محاولة الإمساك بسر الدماغ عبر المشرط والتشريح تُشبه البحث عن معنى القصيدة عبر تفكيك الحبر والورق: فالجوهر يتجلّى في ما يحدث بين العناصر لا في العناصر نفسها.
الدماغ إذن ليس “كتلة من النسيج الرمادي” يمكن تفكيكها، بل هو منظومة مادية–إلكترونية فائقة التعقيد، حيث تتفاعل المادة مع تدفقات كهربائية وكيميائية تنسج من خلالها الوعي والفكر والخيال. وهنا تبرز المفارقة: ما نراه في المختبرات الطبية مجرد وسيلة (بنية تشريحية)، بينما السر الحقيقي يكمن في التفاعل (المنظومة البايوإلكترونية) الذي يتجاوز قدراتنا المعرفية الحالية.
ولعلّ أوضح مثال على هذا الوهم العلمي ما حدث حين سُرق دماغ ألبرت آينشتاين بعد وفاته، وكذلك دماغ الرئيس الأمريكي جون كينيدي. كان الدافع وراء هذه الأفعال الاعتقاد بأن العبقرية أو الفرادة الإنسانية يمكن أن تُستخلص من مادة الدماغ ذاتها. لكن الحقيقة التي غابت عن هؤلاء أن العبقرية لا تختزل في البنية، بل تكمن في دينامية التفاعل بين البنية والوظيفة، بين المادة والإشارة، بين التشريح والبايوإلكترونيات.
ومن هذا المنظور، تبدو محاولات الذكاء الاصطناعي، وإن اقتربت من محاكاة بعض أنماط المعالجة الدماغية، محاولات تظل أسيرة النموذج البنياني–التفاعلي. فهي لا تفعل أكثر من إعادة إنتاج صور تقريبية، دون أن تلامس سرّ التداخل المعجز بين المادة والوعي الذي يجعل من الدماغ البشري “عالمًا داخليًا” يستعصي على الاختزال.
هكذا يبقى الإنسان، في سعيه لفهم نفسه، أسير خيالاته وتصوراته وأوهامه، معتقدًا أن مشرط التشريح قادر على كشف أسرار العبقرية البشرية. بينما السر الحقيقي يظل كامناً في تلك المنظومة البايوإلكترونية التي تجعل من الدماغ أكثر من مجرد عضو، بل فضاءً للتفاعل الذي لا سبيل لإحاطتنا به علماً.

أضف تعليق