الطموح النظري وحدود المعرفة… قراءة نقدية لنظريات البايولوجيا التطورية

يمثل اكتشاف القوانين العلمية لحظاتً بارزة في مسيرة العلم، غير أن فرحة العلماء غالبًا ما تكون أعظم حين يتمكنون من صياغة نظرية شاملة تستوعب هذه القوانين ضمن إطار متماسك يُقدم تصوّرًا منطقيًا للعالم. ومن هذا المنطلق، يسعى العلماء عادةً إلى أن تكون نظرياتهم صالحة عالميًا وثابتة عبر الزمان والمكان، بما يعكس سمة الشمولية والاعتماد على القوانين العلمية (invariance) التي تتميز بها المعرفة العلمية.
أحد الأمثلة التاريخية على هذا الطموح هو النظرية الداروينية للتطور، التي صاغها تشارلز داروين مع توهم إمكانية تحويلها إلى قانون علمي دائم، يصف الظواهر البيولوجية بصورة مطلقة. هنا يبرز ما يسميه فلسفة العلم “حدود المعرفة النظرية”: أي الفرق بين الوصف التجريبي للظواهر والتفسير النظري الشامل الذي قد يجاوز ما تسمح به الأدلة التجريبية (Karl Popper, 1959).
تؤكد دراسة التطور على حقيقة أن الإنسان نتاج عمليات تطورية تمتد عبر الزمن، إلا أن محاولات داروين لتطبيق النظرة الحيوانية على الإنسان أدت إلى تجاوز معرفي. فبينما كانت الملاحظات التجريبية منهجية ودقيقة، وساعدت على إثبات التطور كظاهرة بيولوجية، فإن التأكيد على أن الإنسان مجرد امتداد للحيوان لم يكن حتميًا علميًا، بل كان نتيجة إصرار نظري على شمولية مفرطة.
من هذا المنظور، يمكن القول إن القيمة الحقيقية لإسهام داروين تكمن في التوثيق المنهجي للبيانات والملاحظة الدقيقة، والتي أسهمت في بناء قاعدة معرفية صلبة لفهم التطور البيولوجي. أما محاولته تحويل نظريته إلى قانون علمي ثابت، فقد أبرز مفارقة التطورية الكلاسيكية: التناقض بين الدقة التجريبية والطموح النظري الشامل، ما يضعنا أمام حدود ما يمكن أن تفسره النظرية دون تجاوز الوقائع.
إن هذا النقد لا يقلل من أهمية التطورية، بل يسلط الضوء على ضرورة التفريق بين:
الظواهر البيولوجية الملاحَظة (Observation-based facts).
النماذج النظرية التي تحاول تفسير هذه الظواهر ضمن سياق شامل (scientific paradigms, Thomas Kuhn, 1962).
باختصار، كان داروين ليحقق أثرًا معرفيًا هائلًا لو اكتفى بالملاحظة الدقيقة والتوثيق الموضوعي، بدل محاولة تحويل نظريته إلى قانون شامل يفرض على الظواهر تفسيرًا واحدًا، بما يؤدي إلى التوتر بين الواقع التجريبي والطموح النظري الذي يمكن أن يعيق الفهم العميق لتعقيد الإنسان وتطوره.

أضف تعليق