
قد يتبادرُ إلى الذهنِ أنَّ روايةَ العهدِ القديم عن سيدِنا داود وسيدِنا سليمان لا تختلفُ كثيراً عما وردَ بشأنهما في القرآنِ العظيم، ولكن واقعَ الحال غير ذلك. فداود وسليمان هما في العهدِ القديم ملِكان من ملوكِ بني إسرائيل، بينما هما في القرآن نبيان كريمان كان من بين أنعُمِ اللهِ عليهما أن جعلهما ملِكين: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (15- 16 النمل)، (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) (78- من 79 الأنبياء).
ولو أننا قارنا هذه الآياتِ الكريمة، وغيرها من الآياتِ الكريمة التي تصفُ ما كان عليه هذان النبيان الكريمان الجليلان من حالٍ مع اللهِ تعالى، مع ما وردَ بشأنِهما في العهدِ القديم، لهالَنا عظيمُ الفرق بين رؤيتَين متناشزتَين متباينتَين متباعدتَين: رؤيةُ اللهِ تعالى لعبدَين صالحَين من عبادِه الصالحين، ورؤيةٌ بشريةٌ لهما تتوهمهما على غيرِ حقيقتِهما وتبالغُ في إسباغِ النقائصِ والرذائلِ وسيءِ الخُلُقِ ورذيلِ الصفات عليهما. وهذا ينبئُنا الكثير الكثير عن البعضِ من كُتابِ العهدِ القديم الذين أسقطوا ما في بشريتهم من سوء على مَن اجتهدوا حتى ما عادَ فيهم ما يمكنُ أن يقارنَ بما هم عليه أولئك الذين لم يفكروا يوماً بمفارقةِ بشريتِهم والارتقاءِ إلى ما يسمو بهم فوق رذائلِها وسيءِ خصالِها ورذيلِ طباعِها.
