نحو تصور علمي موسّع لمصادر المعرفة… ما وراء الحواس الخمس


يُعرَّف الدماغ البشري تقليديًا باعتباره جهازًا معقدًا لمعالجة المدخلات الحسية القادمة عبر القنوات الخمس المعروفة: البصر، السمع، الشم، التذوق، واللمس. غير أنّ تراكم الشواهد التاريخية والأنثروبولوجية يشير إلى وجود أنماط من الخبرة المعرفية لا يمكن ردّها مباشرة إلى أيٍّ من هذه القنوات. هذا يفتح المجال أمام فرضية مفادها أنّ الدماغ قد يكون قادرًا –بطرق لم تُفك شيفرتها بعد– على استقبال أو توليد معلومات من مصادر تتجاوز الإطار الحسي التقليدي.
من أبرز هذه الظواهر الأحلام الرؤيوية ذات الطابع التنبؤي. الدراسات المعاصرة في علم النفس التحليلي، خصوصًا عند كارل غوستاف يونغ، قدّمت مفهوم اللاوعي الجمعي (Collective Unconscious) بوصفه مخزونًا رمزيًا مشتركًا بين البشر جميعًا، يتجاوز حدود التجربة الفردية المباشرة. يونغ نفسه كان شاهدًا على سلسلة من الأحلام المكثفة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، أحلام احتشدت بصور القتل والدمار والمدن المحترقة. ورغم أن السياق السياسي والاجتماعي حينها لم يكن ينذر بوقوع حرب بهذا الحجم، جاءت الأحداث لاحقًا لتجعل من تلك الأحلام بمثابة “استبصار معرفي” سابق للزمان.
هذا النمط من الخبرة يتقاطع مع ما يُعرف في الدراسات المعرفية الحديثة بمفهوم المعرفة الضمنية (Implicit Knowledge) أو الاستبصار المفاجئ (Sudden Insight)، حيث يظهر في الوعي محتوى معرفي لم يكن للدماغ مسار منطقي مباشر للوصول إليه. والأمر لا يقتصر على الأحلام؛ إذ تسجّل الأدبيات حالات تواردت فيها معلومات غير مألوفة إلى وعي أشخاص في حالة يقظة كاملة، دون إرادة منهم، وبما لا يمكن تفسيره استنادًا إلى ذاكرة شخصية أو خبرة حسية سابقة.
تثير هذه الظواهر سؤالًا إبستمولوجيًا جوهريًا: هل الدماغ البشري نظام مغلق على مدخلاته الحسية، أم أن له نوافذ أخرى للتواصل المعلوماتي لم تُكتشف بعد؟ بعض الفرضيات العلمية الحديثة تلمّح إلى إمكانية وجود آليات تشابك عصبي–كمي (Neuro-Quantum Entanglement) أو أنماط من المزامنة الدماغية العابرة للفرد (Transpersonal Neural Synchrony) قد تفسر –ولو جزئيًا– كيفية انتقال معلومات لا تنتمي إلى السياق الفردي المباشر. ورغم أن هذه الطروحات ما تزال في طور الفرضيات، إلا أنها تكشف استعداد العلم لتوسيع أفقه النظري.
إنّ رفض هذه الظواهر بحجة غياب تفسير ميكانيكي نهائي لها، يعيد إلى الأذهان مواقف سابقة للعلم حين كان يتردد في تقبّل ظواهر غير قابلة للشرح في حينها، قبل أن تجد لاحقًا تفسيرًا مع تطور الأدوات النظرية والتجريبية. من هنا تأتي الدعوة إلى أن نتعامل مع هذه الشهادات البشرية –من أحلام رؤيوية إلى ومضات وعي غير مفسرة– بوصفها إشارات أولية إلى وجود قنوات معرفية غير تقليدية، بدل أن نستبعدها سلفًا.
إنّ عدم قدرتنا على توصيف آلية انتقال المعلومات من هذه الوسائط غير التقليدية إلى وعينا لا ينبغي أن يقودنا إلى إنكار احتمالية وجودها. بل قد يكون الاعتراف بهذه الإمكانية خطوة أولى نحو بناء نموذج معرفي موسّع، يُعيد النظر في الحدود الراهنة للفكر العلمي والإبستمولوجي على السواء.

أضف تعليق