
منذ صدور كتاب “استجابة الجنس البشري” لمؤلفيه ماسترز وجونسون في عام 1966، تدفقت سيول من الدراسات والأبحاث التي تناولت الجنس البشري من زوايا متعددة. وعلى الرغم من أهمية عمل ماسترز وجونسون في وقته، إلا أن تراكم المعرفة الحديثة بات يفرض علينا مراجعة شاملة للأسس التي بنيت عليها هذه الأبحاث. فإذا كان العمل الرائد لماسترز وجونسون قد افتقر إلى دراسات ميدانية وإحصاءات كافية، فإن الأبحاث التي تلته تكشف عن خلاصة صادمة تستدعي التساؤل: هل يتناقض السلوك الجنسي للإنسان المعاصر مع قوانين التطور البيولوجي؟
إن النظرية التطورية ترتكز على مبدأ أساسي: التطور هو عملية تلازم المنفعة. فكل سلوك أو صفة تطورية لا بد أن تحمل منفعة للفرد، تساهم في بقائه وتكاثره. لكن عندما ننظر إلى السلوك الجنسي للإنسان المعاصر، والذي يتميز بتعدد الهويات الجنسية وممارسات تتجاوز ثنائية الذكر والأنثى التي رسختها الطبيعة لملايين السنين، يبرز تساؤل حاسم: ما هي المنفعة التطورية التي تعود على الإنسان من هذا الخروج السافر على قوانين الطبيعة؟
إن هذا الهوس بالتمرد على الثوابت البيولوجية التي حكمت مسيرة الحياة لملايين السنين، والذي يتجلى في ممارسات جنسية غير سوية من منظور التطور، يبدو كأنه يتناقض مع منطق الطبيعة. فالممارسات التي لا تخدم غاية التكاثر أو بقاء النوع لا يمكن أن تُفسَّر من منظور التطور البيولوجي كاستراتيجية ناجحة. هذه الظواهر، التي تزداد وضوحاً في المجتمعات الحديثة، تشير إلى أن الإنسان قد انفصل عن مسار الطبيعة، مفضلاً إرادة الذات على منطق البقاء.
إن الشجاعة العلمية تقتضي منا مواجهة هذه الحقيقة بصرامة وموضوعية، بدلاً من اللجوء إلى النفاق العلمي أو محاباة الرأي العام. فالحقيقة لا يمكن أن تُحدّد بأصوات الجماهير أو شعبية الأفكار، بل بمعطيات البحث العلمي المنضبط. إن تعدد الهويات الجنسية، على الرغم من القبول الاجتماعي الذي يحظى به في بعض الأوساط، يبقى ظاهرة تتناقض مع جوهر التطور البيولوجي الذي أسس ثنائية الذكر والأنثى كأساس للحياة.
ولذلك، تدعو هذه المقالة إلى مراجعة شاملة للأبحاث الجنسية، ليس فقط لوضعها في سياق العصر الحالي، بل أيضاً لمواجهة الأسئلة التي تفرضها على فهمنا للطبيعة البشرية. يجب أن يكون الهدف هو البحث عن الحقيقة، مهما كانت صادمة، ومهما كانت مخالفة لما يريده البعض. فالعلم لا يجب أن يكون أداة لتحقيق أجندات اجتماعية، بل يجب أن يبقى منارة تكشف لنا عن قوانين الوجود، حتى لو كانت تلك القوانين لا تتوافق مع رغباتنا.
