
تُعدّ تسمية “ما بين النهرين” أو بلاد الرافدين (Mesopotamia) من أقدم التسميات الجغرافية في التاريخ، وقد أطلقها الإغريق على المنطقة التي تضم اليوم العراق، في إشارةٍ واضحة إلى موقعها بين نهري دجلة والفرات. هذه التسمية ليست مجرد اسم عابر، بل هي حقيقة تاريخية وجغرافية راسخة، تشهد عليها حضارات عريقة مثل السومرية، الأكدية، البابلية، والآشورية التي ازدهرت على ضفاف هذين النهرين الخالدين.
لكن المفارقة العجيبة تكمن في وجود وهمٍ يتعلق بجغرافيا متخيلة، لا تمتّ إلى الواقع بصلة، يُروَّج لها تحت زعم أنها “أرض موعودة” تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات. هذا الوهم ليس مجرد خيال، بل هو أساس مشروع سياسي يُسخِّر التاريخ ويفبرك الجغرافيا لتحقيق أهدافٍ لا تنسجم مع الحقائق. إن أصحاب هذا الوهم يتجاهلون أن مفهوم ما بين النهرين يحمل في طياته دلالات حضارية وتاريخية عميقة، تعكس تفاعلاً حقيقياً بين الإنسان والأرض، بينما ينسجون خيالاتهم حول أرضٍ مزعومة، بناءً على نصوصٍ دينية يتمّ تأويلها بشكلٍ انتقائي ومخالفٍ لروحها.
إن النص الذي يستند إليه هؤلاء الواهمون، والمذكور في سفر التكوين (الإصحاح 15، الفقرة 18) من العهد القديم: “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات”، هو نصٌّ ديني لا يمكن تفسيره كتصريحٍ بملكية أرضٍ لأحد. إن الإيمان بالله وبالشرائع الإلهية يقتضي الالتزام بالقيم الأخلاقية التي جاءت بها، وأبرزها تحريم السرقة واغتصاب حقوق الآخرين. إن الزعم بأن نصاً دينياً يبرر الاستيلاء على أرض الآخرين هو تجاوزٌ واضحٌ لكل المعايير الأخلاقية، بل إنه يتناقض مع جوهر الناموس الإلهي نفسه.
بلاد الرافدين هي حقيقةٌ تاريخية وجغرافية لا يختلف عليها اثنان، أرضٌ شهدت على ميلاد الحضارات وتطور العلوم والفنون. أما الكيان المزعوم الذي يتخيله البعض بين النيل والفرات، فهو مجرد وهمٌ من الأوهام، لا يستند إلى أي أساسٍ واقعي. إن البناء على الأوهام، وتصوير الخيالات كحقائق، هو طريقٌ يؤدي إلى الصراعات والنزاعات، بينما الالتزام بالحقائق التاريخية والجغرافية هو السبيل الوحيد إلى التعايش والسلام الحق.
