
“إن لم يزدكَ علمُك علماً بجهلك فلا خير في علمٍ يطغيك حتى تهلك.”
هذه المقولة البليغة لا تُلقي ضوءاً على معنى العلم وحسب، بل تضع معيارًا دقيقًا لمصداقيته: فالعلم الحق ليس ما يزيد الإنسان غرورًا، بل ما يضاعف وعيه بمحدوديته وجهله. غير أن المشهد الإنساني الراهن يوحي بالعكس تمامًا؛ إذ غدا العلم في كثير من الأحيان وسيلة استعلاء وطغيان، لا سبيل تواضع وتبصّر.
العلم بين التواضع والطغيان
منذ أن اكتشف الإنسان أسرار الذرّة، وأطلق العنان لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وأمسك بزمام المعرفة البيولوجية والوراثية، كان المنتظر أن يزداد إدراكه بهشاشته وضآلة مكانه في الكون. لكن الذي حدث في الغالب هو العكس: لقد تحوّل العلم إلى أداة هيمنة، ووسيلة لإشباع نزعة السيطرة، حتى على حساب الكوكب الذي يأويه.
الحروب: الوجه العاري للطغيان العلمي
إن المتتبع لنشرات الأخبار اليومية لا يحتاج إلى كثير عناء ليرى كيف أصبح العلم العسكري عنوانًا بارزًا لطغيان المعرفة. فما يُبتكر في المختبرات من تقنيات يُترجَم إلى أسلحة ذكية، وصواريخ عابرة، وطائرات مسيّرة، تُسفك بها الدماء وتُزرع بها الكراهية. لم يزد هذا “العلم” الإنسان إلا استعلاءً ودمارًا، وأحال كوكب الأرض إلى مسرح لحروب لا تنطفئ نارها إلا لتشتعل من جديد.
المناخ: الثمن الفادح لغرور الإنسان
لم يقتصر الأمر على الحروب، بل تجاوزه إلى علاقة الإنسان بالبيئة. لقد حسب أن إخضاع الطبيعة لسطوته إنجازٌ مطلق، فإذا بالنتيجة تغيرات مناخية تهدد وجوده نفسه. فالعلم الذي كان يُفترض أن يزيده وعيًا بجهله أمام أسرار النظام البيئي، دفعه إلى استغلال الأرض بلا وازع، حتى باتت تقارير المناخ تتصدر نشرات الأخبار يوميًا، شاهدة على نتائج الطغيان العلمي.
التلوث: حين يتحول الغذاء والهواء إلى سموم
ولم تسلم أبسط ضروريات الحياة: الطعام والشراب والهواء. التقدم الصناعي والزراعي الذي كان يُبشَّر به كإنجاز للعلم، سرعان ما كشف عن وجهه الآخر: تلوث غذائي، هواء مسمّم، وبحار مليئة بالنفايات. ما كان ينبغي أن يكون ثمرة العلم أصبح نقمة على الإنسان، لأنه لم يُوجَّه بالبصيرة التي تذكّره بجهله وحدوده.
نحو علم متواضع
إن المأزق الإنساني اليوم لا يكمن في العلم نفسه، بل في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع العلم. فالذي لم يزده علمه علماً بجهله، تحوّل علمه إلى أداة طغيان، تستدرجه إلى الهلاك. والعلاج لا يكون بالتراجع عن المعرفة، بل بإعادة تعريفها: أن يكون العلم مرادفًا للتواضع، وأن يصبح بوصلة للنجاة لا فخًّا للغرور.
فالمقولة إذن ليست مجرد حكمة بل تنبيه صارخ: العلم الذي لا يكبح نزعة الطغيان ولا يضاعف وعي الإنسان بمحدوديته، إنما هو طريق إلى الفناء، لا إلى الخلاص.
