
لا يكاد القارئ يشرع في مطالعة كتاب The Chimp Paradox حتى يدرك أنه أمام نصّ لا يُراد له أن يفتح أفقًا معرفيًا، بل أن يُسوِّق لوهمٍ متكرر: وهمُ أن الإنسان كائن متفوق عقلًا ووجدانًا على سائر الأحياء، وأن من حقه – بل من واجبه – أن يسيطر على الطبيعة وعلى الآلة معًا. فالشمبانزي عند ستيف بيترز ليس شريكًا بيولوجيًا قريبًا من الإنسان، بل مجرد صورة كاريكاتورية للبدائية والانفعال غير المنضبط، في مقابل عقل بشري يعلو ويتحكم. وما الكمبيوتر في نظره سوى برهان إضافي على تفوق الإنسان، إذ يُختزل في آلة جامدة محدودة القدرات أمام عقل بشري “مبدع” و”حر”.
هذه المقاربة لا تخطئها العين في كونها دعاية بشرية صريحة، أكثر منها تحليلًا علميًا. فهي تُشيِّد بنيانها على أساطير متهافتة: أن الحيوان يفتقر إلى العقل، أن عواطفه بدائية، وأنه عاجز عن بناء علاقات اجتماعية معقدة. وهي افتراضات لم يعد يجرؤ أي باحث جاد على تكرارها في زمن تتوالى فيه الاكتشافات التي تثبت أن للحيوانات – بل حتى للنباتات – عوالم معرفية وانفعالية شديدة التعقيد.
في المقابل، يقف كتاب The Arrogant Ape كصفعة فكرية لهذا الغرور البشري. فانيسا وودز لا تنطلق من تمجيد الإنسان ولا من تعظيم “عبقريته” المزعومة، بل من فضح هذا الوهم. فهي تضع القارئ أمام حقيقة مزعجة: أن ما نسميه “تفوقًا بشريًا” لم يكن إلا ذريعة للاستغلال، ومنطلقًا لتخريب البيئة، وتدمير النظم الإيكولوجية، وجرّ الكوكب إلى حافة الانهيار. لقد آن الأوان – تقول المؤلفة – أن نعترف بأن الشمبانزي وغيره من الكائنات ليسوا ظلالًا باهتة لإنسانٍ متفوق، بل شركاء معرفيون وعاطفيون يتفوقون علينا في مجالات عديدة، وأن وهمنا القديم بالتفوق لم يجلب سوى فسادٍ أخلاقي وبيئي يتجلى اليوم في تغيّر المناخ والتلوث والاندثار المتسارع للأنواع.
المفارقة جلية: كتاب بيترز مشغولٌ بتلقين القارئ طرائق “تسويق الذات” في مجتمع بشري مهووس بالتفوق والتسلط، بينما كتاب وودز يطالبنا بإعادة كتابة علاقتنا بالعالم من جذورها. الأول يكرّس الاستعلاء، الثاني يدعو إلى أخلاقيات جديدة تُبدِّل الغطرسة بالتواضع، والاحتقار بالتقدير، والأنانية بالاحترام.
وبينما يغرق الكتاب الأول في صناعة أوهام النجاح الفردي على أنقاض الطبيعة، يذكّرنا الكتاب الثاني بحقيقة موجعة: لولا الكائنات التي نتعالى عليها، لما كان للإنسان نفسه أن يظهر إلى الوجود أصلًا.
