كيف تفاعلت الفلسفةُ مع العلم… جنايةٌ أم ضرورة؟

منذ نشأة التفكير العلمي بصورته المنهجية، ظلّت علاقته بالفلسفة علاقةً ملتبسة تجمع بين التداخل والصراع. فالفلسفةُ من جهةٍ شكّلت إطارًا أوليًا لظهور العلم، إذ أن الأسئلة التي طرحتها حول طبيعة الوجود، وحدود المعرفة، ومفهوم السببية، كانت الشرط الممهّد لبزوغ البحث العلمي التجريبي. لكن، من جهة أخرى، لم تخلُ هذه العلاقة من توتراتٍ جعلت بعض المفكرين يرون أن الفلسفة كثيرًا ما أعاقت مسيرة العلم أو كبّلته بمقولات ميتافيزيقية لا تصمد أمام الاختبار التجريبي.

الفلسفة كحاضنة للعلم

تاريخيًا، كان كثير من العلماء الكبار أيضًا فلاسفة. فإسحاق نيوتن لم يكن بعيدًا عن التأملات الفلسفية، وألبرت آينشتاين نفسه لجأ إلى الفلسفة لبلورة تصوراته حول المكان والزمان. وفي القرن العشرين، قدّمت فلسفة العلم إسهامات جوهرية في توضيح معايير المنهج العلمي، مثل مفهوم القابلية للتكذيب عند كارل بوبر، أو نظرية البراديغمات عند توماس كوهين، وهي مفاهيم ما كان للعلم أن يبلورها من داخله فحسب. بهذا المعنى، يمكن القول إن الفلسفة وفرت للعلم أدوات نقدية ومنهجية ساعدت على تصحيح مساره وتطويره.

الفلسفة كعائق أمام العلم

في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الاتجاهات الفلسفية قد حمّلت العلم فوق طاقته، حين حاولت فرض نماذج تفسيرية على الواقع دون سند تجريبي، أو حين أحاطت العلم بميتافيزيقا فضفاضة حوّلته إلى ضرب من الخيال النظري البعيد عن الاختبار. ومن هنا نشأت الدعوات التي طالبت بالفصل الصارم بين الفلسفة والعلم، باعتبار أن المنهج العلمي يقوم على التجربة والبرهان، لا على التأمل والحدس.

جدلية العلاقة

القول بأن الفلسفة “جنت” على العلم يظل إذاَ تبسيطًا مخلًا، كما أن اعتبارها مجرد أداة مساعدة للعلم يختزل دورها الفعلي. الأصح أن العلاقة بينهما علاقة جدلية: فالفلسفة تمدّ العلم بالأفق النقدي والمفاهيمي، فيما يمدّها العلم بالمعطيات التي تكبح اندفاعاتها الميتافيزيقية. وحين يختل هذا التوازن، إمّا بأن يهيمن الخيال الفلسفي على العلم، أو بأن يتجاهل العلم الأسئلة الفلسفية التي تُحَدّد أفقه، فإن النتيجة تكون انحرافًا عن المسار الصحيح للمعرفة.

أضف تعليق